“سنة الحصاد”.. السرد والنقد في مشروع ياسين كني الأدبي

في هذا الحوار، يتحدث ياسين كني عن مشروعه الأدبي الذي يجمع بين الإبداع السردي والتطبيق النقدي، مسلطا الضوء على مساره الطويل منذ بداياته في الكتابة، مرورا بتجربته في النقد الثقافي منذ عام 2012، وصولا إلى إصداراته الأخيرة في الرواية والدراسات الثقافية التي صدرت هذا العام عن دور نشر في مصر ولبنان وتونس/فرنسا.
خلال الحوار، يفتح كني نافذة على خلفيات أعماله، موضحا العلاقة بين السرد والنقد، التحديات التي واجهها في النشر، تجاربه مع الرقابة، والدوافع العميقة التي تحركه للكتابة، مقدما رؤية صريحة عن رحلته التي امتدت لسنوات.
تصف مشروعك الأدبي بأنه يجمع بين الإبداع السردي والتطبيق النقدي، الذي تعتبره وجها آخر لمشروعك الشخصي؛ هل جاءت الرواية في مشروعك أولا ثم النقد، أم أن السؤال النقدي هو الذي قادك إلى السرد؟ وكيف خدم كل من السرد والنقد الآخر في مسارك؟
أنا أُعرف نفسي أنني كاتب، أغيّر الأجناس لكنني أعتبر الكتابة دائما وسيلتي لتغيير العالم، جزء كبير من عالمي الشخصي وجزء صغير من عالم الآخرين، كتبت السرد أولا لأنني لم أكن أتوفر على آليات نقدية بحكم أنني قدمت إلى الأدب من خارج الأدب، لكن بعد ذلك قرأت الأدب ونقده، ولكنني قرأت أيضا بعض العلوم الإنسانية، هذا جعلني ألِج نقد الأدب من بوابة مختلفة، بوابة النقد الثقافي، وهو نقد خارج نصي، وهذا ضبطَ تصوري للسرد، وجعلني أحلم بتغيير جزء أكبر من عالمي وعالم الآخرين، وها أنا أحاول مستمتعا بالطريق أكثر من تركيزي على الوصول…
اشتغالك في النقد الثقافي بدأ منذ 2012، أي قبل عدد من رواياتك، هل كانت الرواية عندك نتيجة تراكم نقدي أم فضاء لتجريب ما لا يسمح به البحث؟
تعرفت على النقد الثقافي مصادفة، حينها كنت قد كتبت ثلاث روايات لكنني لم أنشر بعد أي رواية، أعطاني هذا فرصة كبيرة لإعادة الكتابة والتنقيح، عملُ النقد الثقافي أساسا استخراج النسق الثقافي وتفكيك علاقات الهيمنة، وهذا تماما ما أحاول أن أطبقه في رواياتي، لذلك يمكن أن أقول أنني كنت أكتب الرواية كناقد ثقافي عشوائي طوبوي قبل أن أتعرف على النقد الثقافي، بعدها أصبحت أكتب كناقد ثقافي ممتلك لآليات التغيير، لكن هذا الامتلاك لا يمنحك بالضرورة القدرة على هذا التغيير، لكنه يمنحك هدفا تضعه أمامك، وهذا مهم لكي لا أخلف الطريق، دون أن أنسى طبعا أن الرواية أدب، ومن طبيعة الأدب والفن الحفاظ على الجمال والبحث عنه، لهذا أنتبه أن لا تكون رواياتي جنديا يحمل بندقية للتغيير، بل عاشقا يحمل وردة.
صدر لك حديثا كتاب معنون بـ”قبحيات الجميل والمقدس الصراع الثقافي”؛ قربنا من هذا المنجز؟ وكيف يمكن أن نفهم العلاقة بين الجميل والقبح في هذا الكتاب، وما الذي دفعك للربط بينهما؟
الكتاب هو ببساطة درجة في سلم مشروع بدأه غيري، يقدم لنا النقد الثقافي ضمن مشروع الناقد عبد الله الغذامي مفهوم النسق الثقافي، إنه كما وصفه فيروس ثقافي يختفي مضمرا خلف الجماليات لكي يعمل فينا على شكل سلوكيات قبيحة، كلنا نضحك مثلا على نكتة تصف سوسيا أنه بخيل، وهذا سلوك عنصري مقيت ضد جزء منا، نرفضه علنا بشكل واعٍ لكننا نقبله تحت سلطة جمالية الفكاهة والضحك، وفي لحظات حرجة يتحول القبول إلى سلوك مشين، هذا ومثله كثير هو النسق الثقافي، وهو موروث فينا، كتابي يحاول تطوير المفهوم بالاستناد إلى مرجعيات نفسية بالضرورة، ويقترح آليات جديدة لتفكيك هذا القبح الذي نقبله بشكل لاواعٍ إذا استثر بالجمالي وبالمقدس ثم نترجمه إلى سلوك، كما يحاول الكتاب أن يمنح آليات لتجاوز هذا القبح.
ياسين كني كاتب مغربي ولد بآسفي سنة 1983، حاصل على إجازة في الأدب ويعمل أستاذا بوزارة التربية الوطنية. يكتب في مجالي الرواية والنقد الثقافي، وقد
حصل على جوائز وتنويهات عربية من بينها جائزة كتارا، وجائزة خالد الدوسري، وجائزة ديوان العرب، وتنويه جائزة الشارقة. من أبرز أعماله السابقة: رواية “سيرة الصمت”، رواية “أسفار القلوب والصوارم”، وكتاب “عبد الله الغذامي ناقدا ثقافيا”.
هذه السنة، أصدر ياسين كني مجموعة من الأعمال في السرد والنقد الثقافي؛ صدرت له رواية “يافالي” ورواية “ظل السواد” عن دار فاصلة للنشر والتوزيع المصرية، فضلا عن عملين نقديين، هما: “قبحيات الجميل والمقدس” عن مؤسسة الرحاب اللبنانية و”دنيوية الإسلام” عن دار آرام للنشر والترجمة التونسية-الفرنسية.
كما تنتظر روايته “ع ب ث” ترخيص النشر في قطر بسبب الرقابة، إضافة إلى ذلك، نشرت أعماله أبحاثا ودراسات في مؤسسات أكاديمية عربية وأجنبية، من بينها جامعة مولانا في إندونيسيا وجامعة لندن بالمملكة المتحدة.
توقفك عن النشر لسبع سنوات لم يكن توقفا عن الكتابة؛ هل كان ذلك اختيارا أم اضطرارا؟ ثم، صدور أعمالك من دور نشر في مصر ولبنان وتونس/فرنسا في سنة واحدة يشي بتشتت جغرافي للنشر. هل هي ضرورة فرضها واقع النشر العربي؟
واقع النشر مغربيا هو واقع يحيل على واقع الثقافة والبحث العلمي والأكاديمي، ولذلك فإيجاد فرصة للنشر هي نتاج لذلك الواقع الذي لا يشرّف لا الكاتب ولا تاريخ المغرب الثقافي، لذلك فأنا توقفت عن النشر اضطرارا، وجاءت الفرص المناسبة للنشر في دور نشر غير مغربية، الأمر ليس اختيارا ولا قصدا، أنا أمدّ يدي وأنتظر من يستقبلها باحترام، هذا كل ما في الأمر.
الجوائز التي حصلت عليها، هل سهلت نشر أعمالك أم بقيت مجرد اعتراف رمزي بلا أثر على واقع النشر؟
الجوائز باب تنتقل فيه إلى مرحلة الاعتراف، تشكل حافزا للكتابة وتخرجك من دائرة الخوف من العبث، لكنها ليست شيكا على بياض، ضوء الجائزة يخفت سريعا، والاستمرار يحتاج إلى مشروع، وهذا ما أؤمن به، وكل من نشرت معهم بعد الجائزة لم يمنحوني استثناء، مررت بلجان قراءة واقتراحات تعديل وتفاهم، وهذا شيء أحترمه جدا، فدور النشر المحترمة لا تقدم لجمهورها وجبات لم تتذوقها أولا لتتأكد من صلاحيتها، فالخطاب كالدواء قد يعالج وقد يقتل.
الرقابة كانت وراء تعثر نشر روايتك “ع ب ث”؛ هل دفعتك هذه التجربة إلى إعادة التفكير في حدود ما يمكن أن يقوله الأدب اليوم؟
رواية ع ب ث لم تحصل إلى حدود الساعة على ترخيص النشر في قطر، قامت مؤسسة كتارا بواجبها لكن للرقيب رأي آخر، هذه ليس المرة الأولى على كل حال، سبق أن منعت رواية لي من النشر حازت على جائزة أخرى، لكن هذا جزء من اللعبة الثقافية، أنا أتابع مشروعي وكل من تقاطع مشروعه مع مشروعي أتعاون معه في نقطة التقاطع وأمضي، لن أغيّر شيئا لكي أُرضي أحدا إلا إذا كان ذلك نابع من قناعة، الكتابة ليست مسألة شخصية، هي التزام وأمانة قبل كل شيء، وأنا أؤمن أن الحياة سباق طويل، ودورك لن يصل بالتحايل، بل بالمجهود واحترام المنافس….
بعد هذه التجربة في عوالم السرد والنقد، والكتب والجوائز والتحديات، ما الدافع العميق الذي يظل يحركك للكتابة؟
منذ بدأت وإلى اليوم كان دافعي للكتابة أمرين أساسيين، لم يتغيرا لكن يمكن أن أقول أنني دققت تصورهما أكثر، الأول استشفاء بالكتابة، البوح/السرد هو علاج نفسي، يخفف عني حمل الحياة، والثاني التزام بمساهمة قد تكون ميكروسكوبية لكنها ضرورية، مساهمة في التغيير، مثل طائر الكوليبري الذي حينما استغربت الحيوانات الفارة من حريق الغابة كيف له أن يجهد نفسه لإطفاء حريق أعظم من القطرة التي يحملها بمنقاره أجاب ببساطة: je fais ma part، وأنا مثله أقوم بنصيبي من المسؤولية.
حصل على جوائز وتنويهات عربية من بينها جائزة كتارا، وجائزة خالد الدوسري، وجائزة ديوان العرب، وتنويه جائزة الشارقة. من أبرز أعماله السابقة: رواية “سيرة الصمت”، رواية “أسفار القلوب والصوارم”، وكتاب “عبد الله الغذامي ناقدا ثقافيا”. 





