أجواء شبيهة بفترة "كورونا" ووالدة متهم تبكي "راهم أخرو وليدي سيمانة أخرى" لا يعرف الكثير من المتقاضين أن هناك مقاطعة المحامين لجلسات المحاكم، في صيغة نضالية للتصدي لمشروع قانون المحاماة، في إطار ما يجهر به أصحاب البذلة السوداء، من أن نضالهم هو نابع من حرصهم على حماية مهنتهم والدفاع عن ثوابتهاومبادئها الراسخة ضد المتربصين باستقلالها والهادفين إلى نزع الحصانة عنها، إلا عندما يلجون أبواب المحاكم ويجدون الجلسات معلقة وإلى إشعار آخر، وذلك يؤدون عليه فاتورة من أوقاتهم ونفقات تنقلات، وترقب يلفه قلق كبير حول ضمانات المحاكمة العادلة التي أقرها دستور المملكة. جرت عادة مشاهدة حشد كبير كل صباح أمام محكمة الاستئناف بالجديدة ، وخاصة يومي الثلاثاء والأربعاء ويصادف ذلك انعقاد جلسات الجنايات الابتدائية والاستئنافية، حشد من متقاضين وذوي متهمين قادمين من ربوع دكالة الكبيرة التي تضم إقليمي الجديدة وسيدي بنور، لكن خلال هذه الأيام ومنذ انطلقت الشرارة الأولى لمقاطعة المحامين للجلسات، لم نعد نشاهد الحشد المذكور، وذلك مرده بالأساس إلى تعليق جلسات المحاكمات، فالقاعة الرئيسية رقم 1 التي تكون ممتلئة بالمحامين وعائلات متهمين ومتقاضين، أضحت خاوية بدون صخب، إلى درجة أنها تحيل على أجواء مرحلة جائحة كورونا والمحاكمات التي كانت تتم عن بعد. إلزامية المحامين في الجنايات يطغى طابع التأجيل على جلسات محاكمة مشتبه فيهم في قضايا جنائية، وعادة قد لا يتقبل الكثيرون هذه التأجيلات، إلا عندما يتم الإدراك أنه في الجنايات تفرض المادة 316 من المسطرة الجنائية مؤازرة المحامي، وبالتالي لا مناص من تأخير الملفات لحضور المحامين، وذلك يسري في المحاكمات الجنائية الابتدائية والاستئنافية وقضايا الأحداث. وعلى خلفية فراغ الجلسات الاستئنافية، صرح أحد المحامين لـ"الصباح" أنه لا يجوز إطلاقا عقد جلسات الجنايات في غياب الدفاع، وزاد متأسفا أن التأجيلات تشعر عموما بأن شروط المحاكمة العادلة مغيبة، وأن الفصل 120 من دستور المملكة الذي ينص على الأجل المعقول للبت في القضايا لم يعد محترما، وذلك فيه إضرار كبير، خاصة في القضايا التي تكتسي طابع الاستعجال، وواصل المحامي ذاته أن قضايا المسطرة الكتابية تفرض تبليغ الدفاع بإجراءات المحكمة في الجلسة، ولأجل ذلك يجري تأخير الملفات لغرض تبليغ المذكرات. وشدد على أن تأخير القضايا بالمحاكم التجارية، ينال من ثقة المستثمرين في القضاء خاصة في قضايا الاستعجال القصوى. وختم أن هناك تضررا كبيرا للمتقاضين بسبب استهداف المحامين، الذين وصفهم بأنهم أساس العدالة. أسف وبكاء في القطب الجنحي أجواء المقاطعة ترخي بظلالها على محكمة قضاء اﻷسرة بدرب غلف بمقر محكمة السدد القديمة، حيث التأخير يمس قضايا التطليق والنفقة بشكل ملحوظ . دفعتنا حالة تأخيرات متعددة لجلسات الجنايات إلى محاولة استقصاء الأمر بالقطب الجنحي بالمحكمة الابتدائية بالجديدة، فالأمر وإن اختلف شيئا ما بالرواج الملحوظ للمتقاضين، فإن ذلك مرتبط بشكل كبير بتقديم متهمين بطريقة اعتيادية أمام النيابة العامة، بعد انقضاء مدة الحراسة النظرية التي خضعوا إليها في قضايا مختلفة كانت تفرض ذلك، أو ارتباطا بقضايا ذات طابع مدني جهزت بصددها مذكرات مكتوبة قبل اندلاع المقاطعة . في باب المحكمة صادفنا امرأة تذرف دموعا كثيرة وهي تردد "راهم أجلوا وليدي مسيكين سيمانة أخرى" بينما أحاطت بها نساء حاولن التخفيف عنها من وطأة تأخير البت في قضية ابنها، عندما حضنتها إحداهن هامسة في أذنها " غير صبري دابا الله يدير تاويل ديال الخير". ولجنا إلى قاعة الجلسات الرئيسية، فكانت هناك ملفات موضوعة أمام هيأة الحكم، وكان مصيرها التأجيل وغالبا لمدة أسبوع، لعلها المهلة التي يأملها الجميع لظهور انفراج من شأنه أن يعجل بتعليق أصحاب البذلة السوداء لمقاطعتهم للجلسات. ولا تخطئ العين منذ أول وهلة أن المقاعد الأمامية المخصصة عادة للمحامين فارغة تماما، وذلك يولد قناعة راسخة أن الجلسة يغيب عنها عنصر أساسي من ركائز العدالة. بالعودة إلى الجو الذي يطبع جلسات ابتدائية الجديدة، فهو نفسه الجو العام الذي يسود بمختلف المحاكم على الصعيد الوطني، وسمته البارزة هو أن هيأة الحكم تخير الماثلين أمامها بمحاكمتهم أو تأجيلها، لكنهم يلوذون بالتأخير كي تتم محاكمتهم بمؤازرة من دفاعهم، وذلك يظهر تمسكهم بشروط المحاكمة العادلة، ولو تطلب الأمر تجاوز الآجال المعقولة لقضاياهم. وفي باب المحكمة يسود الحزن، جراء تأخير القضايا، أمر لمسناه من حلقات صغيرة لذوي متابعين في حالة اعتقال، الذين ضربوا موعدا آخر للحضور إلى نفس المحكمة بعد أسبوع آخر، قد يتمدد إذا واصل المحامون مقاطعتهم للجلسات. عبدالله غيتومي (الجديدة)