سوء تدبير المال العام داخل الأحزاب يقوض الثقة في السياسة

كشف التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات عن استمرار اختلالات مرتبطة بتدبير الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية، حيث أفاد بأن مبالغ مالية مهمة لم يتم إرجاعها بعد إلى خزينة الدولة، بلغت قيمتها الإجمالية حوالي 21,85 مليون درهم، وتهم 14 حزبا سياسيا.
وأوضح التقرير أن هذه المبالغ تتوزع بين دعم لم يتم تبريره بالوثائق القانونية (15.07 مليون درهم)، ومبالغ لم يتم استعمالها (3.25 مليون درهم)، وأخرى استعملت خارج الأهداف التي خصصت لها (2.88 مليون درهم)، فضلا عن مبالغ اعتبرت غير مستحقة (0.65 مليون درهم)، مما يطرح مجددا إشكالية الحكامة المالية داخل الأحزاب.
وحسب المعطيات التي تضمنها التقرير، فإن الجزء الأكبر من هذه المبالغ يرتبط بدعم الحملات الانتخابية (95 في المائة)، سيما خلال الاستحقاقات التي عرفتها سنوات 2015 و2016 بقيمة 2.41 مليون درهم، ثم انتخابات سنة 2021 بقيمة 18.13 مليون درهم تهم سبعة أحزاب، فيما يتعلق الباقي بالمبالغ التي لم يتم إرجاعها من قبل ستة أحزاب بقيمة 1.31 مليون درهم تهم دعم التسيير برسم سنة 2017 وما بين 2020 و2023، مما يؤشر على أن الإشكال لا يقتصر على ظرفية معينة، بل يعكس ممارسات متكررة في تدبير المال العام المخصص للعمل الحزبي.
ويشمل الدعم العمومي الموجه للأحزاب السياسية، وفق الإطار القانوني المنظم له، حسب محمد وبدة، الباحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري، تغطية مصاريف التسيير وتنظيم المؤتمرات الوطنية والجهوية، وتمويل الحملات الانتخابية، إلى جانب أنشطة التأطير السياسي كتنظيم الندوات والاجتماعات، غير أن عدم احترام الضوابط القانونية المرتبطة بتبرير صرف هذه الأموال أو إرجاعها عند الاقتضاء، يترتب عنه فقدان الأحزاب المعنية لحقها في الاستفادة من الدعم العمومي مستقبلا، في حالة عدم إرجاعها للمبالغ المطالبة بها.
وتابع الباحث، في تصريحه لـ”الصباح”، أن المجلس الأعلى للحسابات أحال، بحسب التقرير نفسه، ملفات واحد وعشرين منتخبا من أعضاء مجالس الجماعات الترابية على المحاكم الإدارية المختصة، بسبب مخالفتهم للقانون.
وأكد وبدة أن هذه الإجراءات التي يتخذها المجلس الأعلى للحسابات تروم تحصين المال العام وصيانة مكانة العمل الحزبي، إلى جانب تكريس مبادئ الشفافية والديمقراطية، لافتا إلى أن الاختلالات المرتبطة بتدبير المال العام داخل بعض الأحزاب السياسية تساهم في تعميق أزمة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الحزبية، معتبرا أن هذه الممارسات تشكل أحد الأسباب الرئيسية للعزوف السياسي، خاصة في صفوف الشباب، حيث باتت نسبة كبيرة منهم تعبر عن عدم ثقتها في العمل السياسي والقيادات الحزبية.
وأضاف الباحث أن استمرار هذه الظواهر يسيء إلى صورة المشهد السياسي ككل، ويقوض الجهود المبذولة لتعزيز المسار الديمقراطي الذي انخرط فيه المغرب منذ تولي الملك محمد السادس العرش، مبرزا أن هذا المسار عرف تطورا خلال العقدين الأخيرين، غير أنه يظل رهينا بمدى التزام الفاعلين السياسيين بأخلاقيات العمل الحزبي.
وختم محمد وبدة تصريحه بالتأكيد على أن الأحزاب السياسية مدعوة اليوم إلى الاضطلاع بدورها الدستوري في تأطير المواطنين وتمثيلهم والدفاع عن قضاياهم، محذرا من أن الاستمرار في هذه الممارسات لا يؤدي فقط إلى فقدان الثقة الشعبية، بل يقدم صورة سلبية عن العمل السياسي والمؤسسات.






