شتاء قاس يعطل انطلاقة الصنف المحلي المسمى "البلدية" ويمنح "الرومية" هامش أمان أربكت التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها مناطق واسعة من شمال المملكة، خلال الأسابيع الأخيرة، انطلاقة الموسم الفلاحي لزراعة نبتة القنب الهندي "الكيف" المقننة، بعدما تسببت الأمطار المتواصلة في غمر مساحات فلاحية واسعة وتأجيل عمليات تهيئة الأراضي، في مرحلة تعد حاسمة لنجاح الموسم. ويأتي هذا الارتباك في وقت تفرض فيه الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المتعلقة بالقنب الهندي تمييزا واضحا بين صنفين رئيسيين من مادة "الكيف"، يتعلق الأمر بالصنف المحلي التقليدي المعروف بـ"البلدية"، الذي يرتبط بزراعة شتوية، والأصناف المستوردة المعروفة بـ"الرومية"، المبرمج انطلاق زراعتها خلال فصل الربيع، وهو ما يجعل تأثير التقلبات المناخية الحالية متفاوتا بين الصنفين. وحسب الإطار التنظيمي المعتمد، فإن زراعة الصنف المحلي "البلدية" تمتد ما بين فاتح يناير و28 فبراير، مع إمكانية التمديد إلى غاية 31 مارس حسب الظروف المناخية، في حين تنطلق زراعة الأصناف المستوردة "الرومية" خلال الفترة الممتدة من فاتح أبريل إلى غاية 30 يونيو، وفق ضوابط تقنية وتنظيمية دقيقة تراعي شروط التقنين والاستعمالات المشروعة للنبتة. هذا الاختلاف الزمني، حسب مهنيين، يجعل زراعة "البلدية" الأكثر عرضة لتداعيات التساقطات الغزيرة المسجلة حاليا، في مقابل هامش زمني أوسع تستفيد منه الأصناف المستوردة، التي لم يحِن بعد موعد الشروع في زراعتها. وأكد فلاحون ينشطون بالجهة الشمالية في تصريحات لـ "الصباح"، أن الاضطرابات الجوية الأخيرة فرضت تأجيل انطلاق عمليات زراعة "البلدية"، بعدما كان من المرتقب الشروع فيها مع نهاية يناير، مبرزين أن الأمطار استمرت لأسابيع متتالية، ومنعت عددا من الفلاحين من الولوج إلى حقولهم لحرثها وتهيئة التربة، وهو ما تسبب في خسائر أولية قبل حتى بداية الموسم. ولا تقتصر هذه الخسائر، حسب المصادر ذاتها، على ضياع الوقت فقط، بل تمتد إلى تكاليف إضافية فرضها التأخير، من بينها إعادة تهيئة الأراضي، وكراء الآليات الفلاحية، وتعويض اليد العاملة التي توقفت عن العمل بسبب الظروف المناخية. وأبرزت المصادر أن التأخير في هذه المرحلة الحساسة قد يؤثر لاحقا على نسبة الإنبات وجودة المحصول، حتى لو تحسنت الأجواء في ما بعد، لأن زراعة "البلدية" مرتبطة بدقة التوقيت، وأي اختلال في البداية ينعكس على نهاية الموسم. وفي هذا السياق، قال رئيس تعاونية فلاحية بإقليم شفشاون في اتصال مع "الصباح"، إن"الصنف المحلي "البلدية"يتطلب توازنا دقيقا بين فترات المطر وأشعة الشمس، لأنها ليست كغيرها من الزراعات التقليدية، فهي تحتاج إلى توال منتظم للمطر والشمس، خاصة في مرحلة التهيئة والبذر"، مضيفا أن "الإفراط في التساقطات قد يؤدي إلى إنهاك التربة وتشبعها بالمياه، ما يضعف قدرتها على احتضان البذور في ظروف صحية ملائمة". وأوضح الرئيس، الذي تحفظ عن ذكر اسمه، أن الأصناف المستوردة "الرومية" تبقى أقل تأثرا بالتقلبات المناخية الحالية، بحكم اختلاف توقيت زراعتها، لا سيما أن برمجة زراعة "الرومية" خلال الفترة الممتدة، من فاتح أبريل إلى غاية 30 يونيو، تمنح الفلاحين هامشا زمنيا أوسع لانتظار تحسن الظروف الجوية، مشيرا إلى أن هذه الأصناف تخضع بدورها لضوابط تقنية وتنظيمية دقيقة، تراعي شروط التقنين والاستعمالات المشروعة للنبتة. ونبه المتحدث ذاته بقوله إن "التغيرات المناخية المتسارعة تضع الفلاحين أمام ضغط متزايد لاحترام الآجال القانونية، لأن الالتزام بالتقنين يظل خيارا لا رجعة فيه، لكن الطبيعة تفرض أحيانا واقعا صعبا، يتطلب مواكبة تقنية دقيقة وتواصلا مستمرا مع الفلاحين لتفادي أي اختلالات". تحديات غير مسبوقة يأمل فلاحو المناطق المعنية أن تعرف الأسابيع المقبلة تحسنا في الظروف الجوية، يسمح باستكمال عمليات تهيئة الأراضي والانطلاق الفعلي في زراعة "البلدية" داخل الآجال القانونية، في أفق موسم فلاحي متوازن. كما يشددون على أهمية المواكبة التقنية المستمرة، لضمان احترام الضوابط التنظيمية وتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المرجوة من تقنين زراعة القنب الهندي، في سياق مناخي متقلب يفرض تحديات غير مسبوقة. يذكر، أن عددا من التعاونيات الفلاحية المعتمدة سجلت، خلال الموسم الجاري، ارتفاعا ملحوظا في عدد المنخرطين، وصل في بعض الحالات إلى حوالي 50 في المائة، رغم أن هذا الموسم انطلق في ظروف مناخية صعبة، ما يعكس الثقة المتزايدة في ورش "الكيف" المقنن بديلا قانونيا ومنظما. المختار الرمشي (طنجة)