احتفالات راسخة تنعش سوق الحفلات وتفتح أبواب الترفيه والشعوذة بين الاحتفال بـ"شعبانة" توجد احتفالات أخرى، قد يرفضها الكثير من المغاربة، لكنها ما زالت مستمرة، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت القيم. فبين الطقوس التقليدية التي تعكس ذاكرة جماعية عميقة، يختار بعض المغاربة ممارسة احتفالات تسيطر عليها الشعوذة، ويسلك آخرون مسارات أكثر احتفالية وترفيهية، تتجلى في حفلات خاصة للنساء تتضمن "الشطيح والرديح"، وأشكال أخرى من التعبير الثقافي. فـ"شعبانة" ليست مجرد مناسبة دينية أو تاريخية، بل مرآة تعكس صراعا بين القديم والجديد، بين الموروث الثقافي والتغيرات الاجتماعية، وبين الإيمان بالممارسات التقليدية والرغبة في التجديد والترفيه. فقد ظلت هذه الاحتفالات على مدار السنوات، حاضرة لدى الكثير من الأسر، لتؤكد قدرة هذا الطقس الشعبي على الصمود أمام الضغوط الحديثة والتحولات الاجتماعية. يستعرض هذا الملف ظاهرة "شعبانة" من زوايا متعددة، بدءا من جذورها في الذاكرة الشعبية، وما تحمله من دلالات اجتماعية ورمزية، مرورا بالمعتقدات المتوارثة وممارسات الشعوذة المرتبطة بهذه الليلة، ووصولا إلى الوجه الاحتفالي العصري، الذي أصبح يشمل أبعادا موسمية وتجارية، ساهمت في انتعاش خدمات مموني الحفلات وغيرهم. كما يعكس هذا الملف الأبعاد الأخرى لهذه الاحتفالات، التي تمثل فضاءات للتعبير الاجتماعي والثقافي، ويكشف كيف تتشكل العلاقات الاجتماعية داخل هذه المناسبات، ويبرز استمرارية التعلق بالموروث رغم مرور الزمن. كما أنه من خلال محاور هذا الملف، نوضح أسباب استمرار هذه الاحتفالات، وشرح الدوافع النفسية والاجتماعية وراء تمسك بعض المغاربة بالشعوذة والممارسات القديمة، رغم التطور الثقافي والتحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المغربي. إيمان رضيف مـن البساطـة إلـى موسـم مربـح مناسبة لترويج أنشطة فرق عيساوة والأمداح وتوفير الحلويات ومشاركة أطباق رمضان تحولت طقوس "شعبانة" المعروفة سيما بالمدن العتيقة كسلا والرباط وفاس ومكناس... من طقس بسيط لتذكير المؤمنين بقرب رمضان، والاستعداد له، إلى مناسبة تجارية وموسم مربح يتم الترويج له من قبل مموني الحفلات والفرق الموسيقية بداية من كل شهر شعبان، وتقام هذه المناسبة في منتصف هذا الشهر. وتقول شابة بالمدينة العتيقة بسلا ل"الصباح" بأن هذه الطقوس تغيرت ما بين الأمس واليوم، وأصبحت مناسبة تجارية لترويج أنشطة محلات مموني الحفلات والقاعات وأيضا الفرق الموسيقية الروحية. وتؤكد الشابة أن هذه المناسبة أصبحت مكلفة ماليا لنساء أسر المدينة العتيقة، إذ تقام بأموال يتم رصدها ضمن ميزانية رمضان، مؤكدة أن الأمر أصبح يتطلب تكليف مموني الحفلات بتجهيز طعام وصل إلى حد "البسطيلة" واللحوم المشوية وأطباق الفواكه وأيضا الحلويات على مختلف الأنواع، في الوقت الذي كان فيه الأمر إلى غاية العقد الأخير يقتصر على الأكلات التقليدية المغربية ك"الرفيسة" والكسكس. ولم تعد النسوة يقتصرن حسب قول الشابة على فرقة موسيقية واحدة إذ يبتدئ الأمر بفرق موسيقية روحية تتحرك بدروب المدينة العتيقة على شكل موكب، كما هو حال عيساوة، لكن بعد انتهاء دور هذه الفرقة تأتي الأمداح النبوية ويتم ختمها بفرق "اللعابات" حينما يغادر الرجال مكان الحفل، بعد تناولهم الوجبات المعدة سلفا. وأصبحت الفرق الموسيقية الروحية وغيرها ومحلات مموني الحفلات تنشر عروضها على صفحات مواقع التواصل وأغانيها الخاصة بهذه المناسبات. ورغم أن إحياء هذه المناسبة ظل ملتصقا منذ قرون بالمدن العتيقة، إلا أنه امتد إلى أحياء شعبية وهامشية فتنتعش التجارة وسطها. ورغم أن الغاية من هذه الطقوس هو الاستعداد الروحي لصيام رمضان وتبادل الزيارات وتحسيس الأطفال الذي وصلوا لسن البلوغ من أجل الصيام، إلا أن هذه الطقوس تتحول في أحيان كثيرة إلى ما يشبه موسيقى الأعراس والحفلات الخاصة وتكاد تنزلق من دورها الروحي نحو الأسوأ. وتقول نادية ابنة حي تابريكت بسلا بأن هذه المناسبة هدفها جمع شمل الأسرة والأصدقاء، وتقوم كل أسرة بجلب نوع من الأكل وما تم إعداده لرمضان كالحلويات و"سلو" و"البريوات" وغيرها، ويتم تناول جزء من كل منتج وفي حال اكتشاف مذاق جيد لإحدى المأكولات تقدم صاحبته الوصفة للأخريات قصد إعداد مثله. وتؤكد المتحدثة نفسها أن المناسبة تكون أيضا لإحياء حفل حناء وحضور "النقاشة" قصد تزيين النسوة سيما الشابات منهن. عبد الحليم لعريبي