الإنفاق والتفاخر والجمع بين الاحتفال والمدنس والصيام والشعوذة! يعتبر الاحتفال بـ" شعبانة" طقسا موروثا عن الأجيال، ومدمجا في الثقافة الشعبية، يحتفى به بطعم خاص يجمع بين التأويل الديني لشعبان قبل حلول رمضان، شهر الصيام، للاستعداد النفسي والروحي، وفي الوقت نفسه، إنجاز أمور تدخل في العمل الدنيوي، بتحضير وجبات أكل مختلفة، يحضر فيها التباهي، والتفاخر بين الأسر، عبر الإكثار من الإنفاق المادي. ويعد الاحتفال بـ "شعبانة" أشهر وأعرق الطقوس التي تسبق شهر رمضان، والذي دأبت بعض الأسر المغربية على إحيائه في منتصف شعبان، وسط جو احتفالي روحاني يدخل البهجة والسرور إلى القلوب، إذ تختلف طقوس الاحتفال به من منطقة إلى أخرى. ومن منظور سوسيولوجي، يعد الاحتفال بـ" شعبانة" ممارسة اجتماعية ألفها المغاربة، أثناء محاولة فهم التنافر القائم بين المقدس، والمدنس، فيضطرون إلى المزج بينهما في خليط ثقافي متنوع حسب تنوع الفئات الاجتماعية، ونوعية الدخل المادي والمستوى الدراسي، ومكان السكن، بالتمييز بين المدينة والبادية، عبر قراءة للعمل الروحي، بإحياء حفل عاد، تحول مع مرور الوقت، إلى طقس ديني ببعد مالي، وأمور أخرى جعلت البعض يرفض الاستمرار في الاحتفال به. وتحضر طقوس الاحتفال والفرحة التي سكنت أيضا نفوس الأطفال والتي ظلت عالقة بذاكرتهم في الأحياء الشعبية، أثناء تحضير أكلات ذات نكهة خاصة، تغطي رائحتها فناء المنزل، إذ اعتبر الاحتفال في السابق ب" شعبانة" نسائيا بامتياز، بمصاريف يؤديها الرجال، واستفادة الأطفال منها بتلقينهم ثقافة شعبية تمزج بين البعد الديني والدنيوي. ورغم تغير عادات سكان المدن، والانتقال من المنزل الكبير إلى شقة صغيرة المساحة بتحول شهدته الأسرة من الممتدة بأخوالها وأعمامها في إطار تضامن آلي بين أفرادها، إلى أسرة نووية مشكلة من أبوين، وطفلين، ظل الاحتفال ب"شعبانة"، قائما لدى بعض الأسر، لأنه أحد الموروثات الثقافية الشعبية المغربية، والذي عادة يتم في منتصف شعبان، رغم اختلاف إقامة تفاصيله من منطقة إلى أخرى، ويهدف أيضا إلى إحياء صلة الرحم بين الأسرة الواحدة، وبين الجيران الذين كانوا يحظون بمكانة خاصة، لم تعد قائمة الآن لانعدام الثقة. وفي النصف من شعبان، يتم الاحتفال بـ" شعبانة" بعد القيام بعمليات تنظيف المنزل، وتلميع لأوانيه الفضية والنحاسية بالنسبة لمن يحافظ على هذا النوع من الأواني، وتجديد للأفرشة حسب القدرة الشرائية للأسرة، وقضاء دين الصيام بالنسبة للنساء، أو الصيام من أجل نيل الأجر والثواب، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، إذ يصوم البعض نصف شعبان لتدريب الجسد قبل حلول رمضان، خاصة الأطفال الذين يتم تشجيعهم على ذلك، وبعدها يتم تحضير المأكولات والحلويات استعدادا لدخول رمضان الأبرك، إذ تزين النساء أياديهن بالحناء، ويرتدين القفطان، وترديد الأمداح النبوية، والصلاة على الرسول الكريم، وتوزيع كؤوس الشاي والحلويات، فتكون هذه الأمسية مناسبة للترفيه والترويح عن النفس من تعب أشغال البيت والتحضير لرمضان المبارك. وأصبحت "شعبانة" فرصة للاستعداد لـ"سيدي رمضان"، وتطهير النفس والبيت معا من الآفات الدنيوية، وترسيخ ثقافة صلة الرحم من منظور ديني، بين الأحباب والجيران، بإعادة تنظيف المنزل، و ترتيب الفراش والستائر، وغسل وتلميع أواني البيت واقتناء أشياء جديدة، وفي آن واحد مساعدة الأسر الفقيرة بمنحها الأواني والأفرشة، والملابس والأحذية، المتخلى عنها في إطار إحياء قيم التضامن. وتختلف طقوس إعداد الأكلات حسب المناطق، إذ تعد بعض النساء "الكسكس بالقديد" المحضر من لحم أضحية عيد الأضحى السابق، وتقديم الشاي وبعض الحلويات، على إيقاع أغان ورقصات وأهازيج شعبية، والبعض الآخر يجهز أطباقا أخرى مثل الدجاج البلدي، مع الحرص على تلاوة الأذكار لتطهير النفس من الخبائث وفق المنظور الشعبي لكيفية ممارسة عملية التطهير الروحي، عبر محو الذنوب، وتقديم صدقة للفقراء بعضها من الأكلات التي تم إعدادها. فيما خصصت بعض الزوايا هذا الاحتفال بتشجيع حفظ الأذكار، ونقلها من جيل لآخر، وترويض الجسد على الصيام، والتحضير الذهني والنفسي والروحي لرمضان. وتستغل بعض النساء هذا الطقس الشعبي، للقيام بـ" التكبيرة"، أي القيام بزيارة تفقدية لأهل العروس لابنتهم في بيت الزوجية حاملين إليها كل الأواني التي ستحتاجها في رمضان، مملوءة بالهدايا ومأكولات قد تتضمن في بعض الأحيان أطباقا مختلفة. ومع مرور الوقت، تعرض هذا الطقس الشعبي لتغيير في ممارسته، من عادة عادية ترتكز على الاحتفال بتناول مأكولات بعد القيام بعمليات تنظيف المنزل، وقضاء دين الصيام بالنسبة للنساء، وتحضير المأكولات والحلويات، استعدادا لدخول رمضان الأبرك، إلى طقوس أخرى تقع فيها المصائب، وهي سلوكات منافية لفكرة الصيام، مثل القيام بأعمال السحر والشعوذة والدجل، كما يقع في ليلة القدر. وشهدت طقوس شعبانة تحولات بينها دمج " جدبة كناوة"، أو إحضار أجواق نسائية " لعابات" شغلهن الشاغل، " تخسار الهضرة" وهو كلام مناف تماما لعملية التحضير لرمضان، ومن الساهرين على إحيائها من يستعين بالمشعوذات اللواتي وقعن ميثاق مع الشيطان بإحضار الألوان، وذكر بعض الأهازيج ، بمبرر أنهن سيودعن خدام السحر، الذين سيتم سجنهم في رمضان، كما يعتقدن، وهي خرافة تم الترويج لها بين الدجالين . وتم تسجيل تحول آخر يدخل في الاحتفال على طريقة " هاي كلاس"، في حفل ينظم بقاعة الحفلات، عبر إطلاق مقاطع موسيقية واحتفالية للترفيه عن النفس، وتناول ما لذ وطاب، والأكيد يقع تنافس بين النساء في إظهار نوعية الملابس التقليدية، للتباهي أمام الأخريات بأنهن من الميسورات. أحمد الأرقام