استقلالية مقوضة ودمقرطة مغيبة من أين يستمد تعديل قانون مهنة المحاماة أهميته؟ > لا يمكن أن يجادل أحد وأي كان حول كون القوانين كيفما كانت جيدة، فإنها تحتاج دائما إلى تعديل دوري إما بشكل جزئي أو شامل بحسب التطورات والحاجيات والمستجدات، التي تطرحها الممارسة المهنية من جهة، وتفرضها السياسات التشريعية العامة من جهة أخرى. هذه هي سنة التشريع كما تعرفها كل النظم القانونية سواء كانت صلبة أو مرنة، بالنظر لطبيعة مساطر تعديلها ومراجعتها وإصلاحها. لذلك فمسألة تعديل قانون مهنة المحاماة، ضرورية ومهمة، وتستمد أهميتها من طبيعة هذا القانون، فهو ليس مجرد قانون مهنة من المهن الحرة، وإنما في جوهره هو جزء أساسي من نظام قانوني أشمل مرتبط بحقوق الدفاع. ماذا يمثل قانون المهنة بالنسبة للمحامين؟ > من المنطلق سالف الذكر، فقانون مهنة المحاماة ليس بقانون فئوي، بل قانون يؤسس لحصانة واستقلالية وحرية الدفاع، باعتباره ركيزة أساسية للمحاكمة العادلة ولحقوق المتقاضين من المواطنات والمواطنين أمام مختلف المحاكم. هذه المقاربة التي تحدثنا عنها قبل قليل، لا تعني بتاتا وعلى الإطلاق أن المحامين فئة فوق القانون، بل على العكس من ذلك، فهي فئة وضع على عاتقها المشرع الدستوري والمعايير الحقوقية الدولية، أمانة ورسالة الدفاع النبيلة، باعتبارها أحد أسس المحاكمة العادلة. لذلك أحاطتها المعايير الدولية الخاصة باستقلال المحاماة وحصانة الدفاع، وكرسها دستور المملكة بضمانات مختلفة ومتنوعة وضرورية لا يمكن مع تقويضها الحديث عن رسالة الدفاع ووظيفتها الكونية، ضمانة أساسية للمحاكمة العادلة. لماذا، إذن، يتحفظ المحامون ويحتجون على هذا القانون؟ > إن مراجعة قانون المحاماة، كما كان الأمر عليه تاريخيا، كان يشارك في إعداده نقباء المحامين في إطار ممثلهم الشرعي والوحيد جمعية هيآت المحامين بالمغرب، باعتبارهم حماة رسالة الدفاع الإنسانية النبيلة. لكن ما حصل بخصوص المشروع الحالي للمحاماة، هو تقويض لهذه الطريقة والمنهجية التشاركية في اعداده، بل هناك انفراد بصياغته، دون الأخذ بعين الاعتبار تحفظات هيآت المحامين. إن تحفظات هيآت المحامين بإجماع مختلف مكوناتها، لم تتركز بتاتا على قضايا فئوية ضيقة، بقدر ما تركزت على قضايا الاستقلالية والحصانة وحرية الدفاع، باعتبارها الركائز الأساسية لرسالة الدفاع، وبدونها سيتم تقويض أسس ومعايير المحاكمة العادلة. هذا التقويض التشريعي لاستقلالية المحاماة وحصانة وحرية الدفاع، يشكل بحق خرقا للمعايير الدولية، وللمعايير الوطنية الدستورية، وتراجعا عن الضمانات التي كان يوفرها قانون المهنة الحالي، وهو ما يشكل مساسا مباشرا بمكتسبات تشريعية مبدئية ومعيارية، في خطوة غريبة ستسيء لسمعة بلادنا على المستوى الدولي والأممي. أجرى الحوار: حميد الأبيض (فاس) * (محام بهيأة فاس)