< د. خالد الحري نقدر موجة الغضب الواسعة والمشروعة، بل المطلوبة، من 40 مليون مغربي، رأوا حلم أجيال بالفوز بالكأس الثانية لبطولة أمم إفريقيا، يتبخر، ليلة أول أمس (الأحد)، في أقل من رمشة عين، بسبب أخطاء واختيارات وقرارات لا يمكن أن نصفها سوى بالبليدة. من حق المغاربة أن يعبروا، بكل ما أوتي لهم، من كلام وتعبيرات وتدوينات في وسائل التواصل الاجتماعي وصحافة وإعلام، عن غصة في القلب رافقتهم إلى غرف النوم، وكدرت عليهم حياتهم، وأصابت كثيرا منهم بأزمات صحية، وأغلبهم لم يغمض له جفن من الأرق والتفكير وتكرار السؤال نفسه: "علاش تغلبنا بهاد الطريقة؟... علاش؟". إن المصاب جلل والفاجعة أكبر من أن توصف، ولا يمكن الاختباء وراء مبررات وكلمات اطمئنان، أو التواري خلف ثنائية الخسارة والربح، لأن ذلك لن يدفع إلا إلى مزيد من الاحتقان، الذي يعني أن المغاربة ملوا من اجترار السمفونية نفسها، كلما حلت بهم نكسة. هناك توصيف واحد لما جرى، أول أمس (الأحد): هزيمة نكراء في عقر الدار وأمام 66.5 ألف متفرج، وفي ملعب بمواصفات عالمية وإمكانيات وظروف لا يطولها الخيال العلمي، ومراكز إعداد وتكوين واسترخاء ومختبرات تفكير وأطر وكفاءات لا تتوفر حتى ببعض الدول الأوربية. فما الذي كان يريده المكلفون بالمنتخب الوطني أكثر مما وفرته لهم الدولة؟ وما الذي كان يحتاجه وليد الركراكي حتى يفوز بكأس إفريقيا، وهو الأهم والأغلى، ولا يمكن أن نتحايل عليه برتبة رابعة في كأس العالم، أو ترتيب في سلم المنتخبات العالمية. ومؤكد أن الركراكي يتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية (تشكيلة وخطة واختيارات وقراءة مباريات وإدارة الضغط النفسي وتقنيات وتغييرات)، لكن هناك أطراف أخرى في منظومة كروية كاملة، يجب أن يعاد فيها النظر في الاتجاه الذي نحتفظ فيه بنقاط القوة، ونتصدى بشكل جذري إلى نقاط الضعف والترهل التي أوصلتنا إلى النكسة. وهنا، لا يمكن إعفاء نجوم يتقاضون الملايين ويلعبون في أكبر الدوريات، لنسائلهم عن الروح القتالية والتركيز واحترام الخصم والتعامل مع الضغط، وكلها عناصر غابت في لحظة الحسم. في المنظومة نفسها، توجد الجامعة الملكية لكرة القدم، وإن نجحت تنظيميا وبنيويا في جعل المغرب قوة كروية، لكن الإخفاق الرياضي يستدعي مراجعة جريئة، وطرح أسئلة من قبيل: هل تم إعداد المنتخب نفسيا بما يكفي؟ وهل كان الاستمرار مع الركراكي مناسبا لهذه المرحلة؟ هل كان هناك إفراط في الثقة والاحتفالات قبل الأوان؟ وبقدر ما نقسو على المدرب واللاعبين والتقنيين والإطار الفني ومسؤولي الجامعة، بقدر ما نتجه بالنقد الصريح إلى الإعلام والجمهور والمحيط الذي صنع ضغطا رهيبا على المنظومة برمتها، وتعاملنا مع الكأس وكأنها مضمونة قبل أن تلعب، وحولنا النهائي إلى "احتفال مسبق"، بدل أن نبقيه مباراة تحتاج تواضعا وتركيزا وإعدادا جيدا من أجل الفوز. إن المطلوب، بعد هذا الاستعراض للمسؤولية المشتركة، ليس البحث عن "كبش فداء"، بل الجلوس إلى الطاولة، لاستخلاص الدروس، وتقييم النكسة، والوضوح في التشخيص، وتقديم الحساب كما هو، مع رغبة في تصحيح الأخطاء، والاستعداد للمستقبل. الخسارة في المنافسات الرياضية واردة، شرط ألا تكون رديفة لـ"الشمتة". ما وقع بالضبط، ولا نتمنى أن يتكرر.