متهمون ابتكروا أساليب احتيالية متطورة واستغلال أرقام هاتفية لمؤسسات عمومية تتصاعد في السنوات الأخيرة مؤشرات مقلقة لعودة ملف خطير إلى الواجهة، يمس في العمق الثقة المفترضة في رمزية العدالة وهيبتها، ويتعلق بتنامي جرائم انتحال صفة القضاة، وهي أفعال لم تعد حالات معزولة أو سلوكات فردية عابرة، بل تتحول تدريجيا إلى نمط إجرامي منظم، خاصة بعد تواتر وقائع مماثلة بعدد من المدن المغربية، تستثمر هذه الجرائم الهيبة الرمزية للمؤسسة القضائية، وتستغل الخوف المتجذر لدى المواطنين من المتابعة، وجهل فئات واسعة بالمساطر القانونية، لتنسج شبكات نصب محكمة الخيوط يتصدرها ما بات يعرف بالقاضي المزور. وكشفت ملفات معروضة على أنظار العدالة بكل من الداخلة وأكادير عن أساليب احتيالية متطورة، اعتمد فيها المتورطون على انتحال صفة قضاة، مستعملين أختاما مزورة ووثائق تحمل تسميات مؤسسات قضائية رسمية، بل وصل الأمر إلى استعمال أرقام هاتفية تنتحل صفات مصالح عمومية لإضفاء المصداقية على عملياتهم الإجرامية، وكان الضحايا، في الغالب، أشخاصا موضوع شكايات أو متابعين في قضايا جنحية، تم إيهامهم بوجود تدخل قضائي قادر على طي ملفاتهم أو تخفيف المتابعات في حقهم، مقابل مبالغ مالية مهمة. ولا يزال ملف المحتال المحترف، الذي دوخ الأجهزة الأمنية بالأقاليم الجنوبية، يتردد بقوة على الألسنة، بعد تورطه في جرائم نصب واحتيال معقدة، مستعملا هويات مزورة، ومقدما نفسه في أكثر من مناسبة على أنه مسؤول قضائي بوزارة العدل، واعتمد المتهم تكتيكا محكما لاستدراج ضحاياه، مستغلا الثقة التي تمنحها الصفة القضائية، إذ ادعى في حالات أنه قاض، وفي حالات أخرى انتحل صفة والي جهة بوزارة الداخلية، وزعم امتلاكه نفوذا واسعا لتسهيل المساطر الإدارية وتمكين ضحاياه من امتيازات خاصة. وبهذا الأسلوب، تمكن من الإيقاع بعائلات ميسورة بالداخلة والعيون، بعدما وعدها بمشاريع سكنية واستثمارات وهمية، قبل أن يطالبها بأداء مبالغ مالية بدعوى تسديد رسوم إدارية لا وجود لها، وبدأت خيوط هذه القضايا تتكشف عندما بلغ إلى علم المسؤول الترابي الحقيقي وجود شخص ينتحل صفته، ما دفعه إلى تقديم شكاية رسمية، لتباشر المصالح الأمنية أبحاثها، تحت إشراف مباشر من والي أمن العيون، انتهت بإيقاف المشتبه فيه بكلميم. وأسفرت التحقيقات عن معطيات صادمة، إذ كشفت تورط الموقوف في عمليات احتيال واسعة، استهدفت عددا من الأفراد والعائلات بمناطق متفرقة، مستغلا نفوذه الوهمي لابتزاز ضحاياه بطرق ماكرة، وبعد إيقافه، جرى نقله إلى الداخلة، ومثل المتهم أمام النيابة العامة المختصة، حيث خضع لتحقيقات تفصيلية، خاصة بعد مصادرة هواتفه المحمولة وفحص بياناتها، لتحديد جميع الاتصالات والعلاقات المشبوهة، والكشف عن ضحايا آخرين أو شركاء محتملين. السيناريو نفسه تكرر بجهة سوس ماسة، وتحديدا بأكادير، حيث أوقفت مصالح الأمن أشخاصا احترفوا لعب دور سماسرة المحاكم في أكثر من ملف، وكان بعضهم ينتحل صفة "القاضي النافذ" أو "وكيل الملك المتدخل"، مستغلين علاقات وهمية داخل المحاكم، ومعتمدين خطابا قانونيا مضبوطا يوحي بالخبرة والدراية، وكان بعضهم يحدد للضحايا مواعيد وهمية، ويوهمهم بقرب صدور قرارات لفائدتهم، قبل أن يختفي مباشرة بعد تسلم المبالغ المالية. وتتشابه هذه الوقائع، رغم اختلاف تفاصيلها، في خيط ناظم واحد، استغلال رهبة القضاء، والخوف من المتابعة، وحاجة المواطن إلى "حل سريع"، وهي نقاط ضعف يحسن النصابون توظيفها، ولا تكمن خطورة هذه الجرائم فقط في الخسائر المادية، بل في ما هو أخطر، وهو المساس بهيبة القضاء وضرب الثقة في المؤسسات، حين يتحول اسم القاضي من رمز للإنصاف إلى أداة للنصب والابتزاز، ما يفرض دق ناقوس الخطر والتشديد في الزجر والتوعية. عبد الجليل شاهي (أكادير)