استغلال جهل المتقاضين للاحتيال عليهم وملفات أكدت تورط منتسبين للعدالة لم تمنع الحرب التي تخوضها الدولة من أجل تخليق الحياة العامة بمختلف تلاوينها، سماسرة المحاكم، من تطوير مهارات النصب، باستعمال أسماء قضاة وانتحال صفاتهم للنصب واستغلال المتقاضين والاحتيال عليهم بإيهامهم بإمكانية التدخل لفائدتهم، بل إن الأوضاع الحالية أنعشت سوق "السمسرة"، وهو ما يظهر بين الفينة والأخرى من خلال ملفات الاعتقالات التي تطول بعض منتحلي صفات قضاة أو مسؤولين قضائيين، كما وقع أخيرا في كل من مراكش وبني ملال، وانهى باعتقال المتهمين، وإحالتهم على المحاكمة. النصب على المتقاضين والسمسرة في الملفات، ظاهرة أضحت تؤثث فضاء المحاكم، بل أصبحت تشكل نوعا من أزمة الثقة، التي تطبع علاقة المتقاضي بالقضاء، وهي أمور تتطلب التعامل معها بصرامة أكبر من قبل المسؤولين القضائيين وباقي المتدخلين في المنظومة القضائية، خاصة أمام تنبيهات كل من الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة، لأن الأمر لم يعد يشكل حالات معزولة. وسبق لمحمد عبد النباوي عندما كان على رأس النيابة العامة، أن وجه منشورا طالب فيه مسؤولي النيابات العامة، ببذل الجهود اللازمة بتنسيق مع رئاسة المحكمة والشرطة القضائية وباقي الفاعلين في حقل العدالة، لتحصين المحكمة وتنظيم الولوج إليها، حتى يتم قطع الطريق على السماسرة، الذين يتعاطون النصب داخل فضاء المحاكم، أو بالأماكن العمومية القريبة من محيطها، مستغلين هشاشة بعض المتقاضين وظروفهم، لادعاء قدرتهم على إيجاد حلول لقضاياهم المعروضة على العدالة، أو التدخل لفائدتهم لدى بعض الجهات القضائية، مقابل مبالغ مالية مختلفة. كريمة مصلي حكـم بالإدانـة يفضـح محتاليـن مدير موقع ادعى علاقاته بالقضاة وطلب 12 مليونا للإفراج عن معتقل ضمن القضايا المثيرة التي شهدتها مراكش، في ما يتعلق بالإيقافات التي استهدفت الاحتيال والتدخلات في الملفات المعروضة على القضاء والدرك، تلك التي انتهت فيها أوامر لوكيل الملك، في يونيو 2023، بوضع مشكوك في أمرهم رهن الحراسة النظرية للبحث معهم حول ملابسات تعريض امرأة للاحتيال والنصب بمطالبتها بدفع 12 مليون سنتيم، للإفراج عن ابنها المعتقل بالسجن وتمتيعه بحكم بالبراءة. ولم يكن للقضية أن تفتضح لولا واقعة إيقاف شاب تورط في جنحة، وإيداعه السجن المحلي بمراكش في انتظار محاكمته، إذ أن والدته تحركت للبحث عن حل لفلذة كبدها وإنقاذه من الحبس، ومما سيطول سجله العدلي من سابقة قضائية تهدد مستقبله، وفي إطار بحثها تعرفت على مصور لفائدة موقع إلكتروني، أخبرها أن مديره يتوفر على علاقات بالمحكمة، وأنه بمقدوره تقديم المساعدة لها، قبل أن يتمكن من تحديد لقاء بين الاثنين، أي المرأة والمدير، ليتجاذبا أطراف الحديث حول واقعة الاعتقال والهيأة التي تنظر في الملف وتاريخ الجلسة، مبدية استعدادها لدفع أي مبلغ يطلب منها لقاء الإفراج عن ابنها. واستمهلها مدير الموقع إلى حين التدخل ومعرفة المطلوب، وهو ما وقع، إذ تلقت بعد ذلك اتصالا هاتفيا منه، يطلب لقاءها، فاستجابت لتحصل منه على معلومات مفرحة، إذ أخبرها بإمكانية الإفراج عن ابنها المعتقل بالسجن، وأن المطلوب هو 12 مليون سنتيم حتى يستفيد من حكم بالبراءة. لم تمانع المرأة أو تساوم في المبلغ، بل خضعت لما طلب منها، إذ أن مدير الموقع أكد لها أنها ستسلم مبلغ 6 ملايين قبل الحكم ونظيره بعده، لتضرب معه موعدا في اليوم الموالي لتسليمه المبلغ، وهو ما فعلته لتنتظر يوم صدور الحكم بفارغ الصبر قصد معانقة ابنها. وعكس ما اشتهت المرأة، جاء يوم آخر جلسة لمحاكمة ابنها، وجلست تنتظر الفرج، إلى أن أصدرت الهيأة القضائية الأحكام، وضمنها حكم بإدانة ابنها، لتدرك أنها سقطت ضحية احتيال وابتزاز باستغلال وضعيتها النفسية. واجهت مدير الموقع والمصور الذي عرفه عليها، بما أحسته وبأنه نصب عليها، إلا أنه تمكن من طمأنتها بوعود جديدة بعد أن استدرجها إلى مرحلة الاستئناف، مؤكدا لها أن ابنها ستتم تبرئته، فانتظرت تعيين الجلسة استئنافيا ليتحقق حلمها، إلا أن ذلك لم يتم بعد تأييد محكمة الاستئناف للحكم الابتدائي، ليعاود المدير نفسه استمالتها من جديد وطمأنتها بالادعاء أن الملف سيتم نقضه، فانتظرت مرة أخرى، إلا أن محكمة النقض رأت أن الحكم متناسب مع القانون وأيدته، لتتبخر أحلام الأم، وتوقن أنها كانت ضحية نصب واحتيال. لم تكن المرأة في البداية تنوي مقاضاة المحتال وشريكه، إذ طالبتهما باسترداد المبلغ المالي فقط إلا أنهما رفضا، ما دفعها للاستشارة مع أحد المحامين، فأرشدها إلى التبليغ عما تعرضت له، سيما أنها أكدت له توفرها على تسجيلات لمادار بينها وبين المحتالين. سردت وقائع شكايتها أمام وكيل الملك، الذي استقبلها وأمر بفتح تحقيق مع مدير الموقع والمصور، وأثناء إشراف وكيل الملك على البحث معهما، تم ذكر اسم موظف بالمحكمة، تبين أنه على علاقة بمدير الموقع، ليتم إيقافه بدوره، إذ وضع الثلاثة رهن الحراسة النظرية للبحث معهم، قبل تقديمهم أمام وكيل الملك في حالة اعتقال. المصطفى صفر