المجتمع الرخو يوسف الساكت على وزن الدولة الرخوة، وهي الدولة التي تشبه عارضة أزياء قصيرة ترتدي قميصا "شفافا" أطول منها، وحذاء بكعب "تتعكل" فيه منذ أول خطوة. المجتمع الرخو، يشبه كثيرا الدول التي تتبنى قوانين لامعة ومصاغة بشكل جيد، لكن أكبر من قدرتها على التنفيذ، أو لا توجد بيئة صالحة لذلك أصلا، فتنتهي بالعجز المزمن عن تطبيقها من قبل أفراد ومجموعات تتربى، هي الأخرى، على تجاوز القانون، واعتباره سقط متاع، لا يعتد به. ومع مرور الوقت، يصبح القانون مجرد أوراق صقيلة تطبع وتنشر في الجريدة الرسمية، وتنتهي، في شكل رزم، لدى بائعي كتب الخردة في الأسواق الشعبية، حيث يتحلق طلبة ومحامون مبتدئون لتفحص أعداد منها. في المجتمعات والدول الرخوة، نعتني كثيرا بالمظاهر وخطابات الحق والواجب، ونرفع حناجرنا باحترام القانون، لكن سرعان ما ننقلب عليه، في أول "امتحان"، يصبح فيه كل شيء مباحا، وقابلا للكسر والدمار من أجل قضاء مصلحة وحاجة. لا نحتاج القانون إلا إذا كان في صفنا، ونكرهه إذا خالفنا الرأي والمصلحة والمنفعة الشخصية، ونجهز عليه، بلا رحمة، إذا تمرد علينا، أو ذكرنا بوجوده من خلال نصوص ومواد صادقنا عليها بمحض الإرادة. في المجتمع الرخو، يصبح، عاديا، أن تسمع مواطنا يقول لرجل أمن، أو شرطي مرور "للي معندو سيدو عندو لالاه" أو "جري طوالك"، أو "معرفتيش شكون أنا ومعامن كتدوي"، أو آخر يسحب هاتفه المحمول ويركب رقما يتحدث في طرفه الآخر مسؤول كبير لا يتورع عن توبيخ "البوليسي" على فعله. وفي هذا المجتمع، يسهل أن تعثر على "شخصية" تفتح لها الأبواب و"يُضرب لها "السلام فور ظهورها في إدارة عمومية ويقضى غرضها في الحال، بينما ينتظر البسطاء في طوابير تحت شمس لاهبة. في الدول غير الرخوة التي تحترم مواطنيها وقوانينها، لا مكان تحت سمائها لأشخاص فوق العادة مجرد أن تذكر أسماؤهم وصفاتهم تتجمد الدماء في المفاصل، ويصبحون هم القانون الذي يمشي على الأرض، وأي اعتراض عليهم أو على سلوكاتهم وسلوكات أبنائهم، يزج بصاحبه في متاهات المساءلة والبحث. هناك، يمشي القانون على رجليه. أما هنا، فيسير على رأسه. إن كان يسير طبعا.