التامني: اختلالات بنيوية واكبت ورش الحماية الاجتماعية ومشكل التمويل يطرح أسئلة عميقة تفتخر الحكومة بتقديم ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره أحد الأعمدة المركزية لحصيلتها الاجتماعية، مستندة إلى أرقام تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر، حيث أكدت رئاسة الحكومة أن عدد المسجلين في السجل الوطني للسكان، بلغ حوالي 22,5 مليون شخص، فيما بلغ عدد الأسر المسجلة في السجل الاجتماعي الموحد 5,3 ملايين أسرة. كما ارتفع عدد المستفيدين من أنظمة التأمين الإجباري عن المرض (أمو تضامن، أمو الأجراء، أمو غير الأجراء، أمو الشامل)، من 8,6 ملايين إلى 24,3 مليون مستفيد ما بين 2021 ونهاية 2024. وحسب رئيس الحكومة، فقد استفادت حوالي 4 ملايين أسرة (11 مليون شخص) من نظام "أمو-تضامن"، ووصل عدد الملفات المودعة يوميا إلى أكثر من 102 ألف ملف في يوليوز الماضي. كمابلغ عدد المستفيدين من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر،إلى غاية غشت الماضي، حوالي 4 ملايين أسرة، تضم 5,5 ملايين طفل، وأكثر من 1,3 مليون مسن، وتم صرف 40,5 مليار درهم، إعانات منذ إطلاق البرنامج، 60 في المائة منها لفائدة أسر العالم القروي. فإذا كانت هذه هي وجهة نظر الحكومة لهذا الورش، فإن المشروع لم يخل من بعض الاختلالات التي رافقت تنزيل أوراش الحماية المختلفة، والتي شكلت موضوع انتقادات من مكونات المعارضة المختلفة. وترى فاطمة التامني، برلمانية فدرالية اليسار الديمقراطي، أن القراءة الموضوعية المتأنية، انطلاقا من القوانين التي مررتها الأغلبية البرلمانية أو تلك المعروضة قيد الدراسة، ومن واقع المنظومة الصحية والاجتماعية، تكشف أن هذا الورش يدار بمنطق تدبير الأزمة أكثر مما يؤسس لرؤية اجتماعية عادلة ومستدامة، قادرة على حماية الفئات الهشة والمتوسطة من مخاطر المرض والفقر والهشاشة الاجتماعية. وأوضحت التامني أن مستوى التغطية الصحية، لا يمكن اختزاله في عدد المنخرطين، رغم بلوغهم، كما تسوق الحكومة، أكثر من 22 مليون مستفيد، بموضحة أن السؤال الجوهري يتعلق بطبيعة النموذج المعتمد في تمويل وتنظيم العلاج، إذ أفضى توسيع التأمين الإجباري عن المرض، في ظل ضعف الاستثمار في القطاع العمومي، إلى تشجيع مباشر وغير مباشر للقطاع الصحي الخاص، الذي يستحوذ على أزيد من 80 في المائة من نفقات صناديق التأمين الصحي،معطى دال على اختلال عميق، إذ تضخ موارد عمومية وشبه عمومية في قطاع ربحي، في غياب ضبط فعلي للتعريفات الطبية، ما يكرس منطق تسليع الصحة، بدل ترسيخها حقا دستوريا مضمونا. وأكدت البرلمانية المعارضة في حديث مع "الصباح" أنه رغم الطابع الاجتماعي، الذي يقدم به نظام"أموتضامن"، فإن تنزيله العملي يكشف عن اختلالات بنيوية، مشيرة إلى أنه تضامن ممول من الفقراء أنفسهم،ليظل التمويل هشا ومحدودا، ما يجعل "التضامن" أقرب إلى إعادة توزيع داخل الهشاشة، بدل تضامن وطني فعلي قائم على العدالة الجبائية. وقالت التامني أن هناك تكريسا لتسليع الصحة باعتماد النظام على خدمات القطاع الخاص، دون ضبط حقيقي للأسعار أو الجودة، ما يجعل"أموتضامن" قناة غير مباشرة لدعم المصحات وشركات التأمين على حساب المال العام، مشيرة إلى إن المستشفى العمومي أصبح الحلقة الأضعف في المنظومة، رغم أنه الضامن الأساسي للحق في العلاج للفئات الفقيرة والهشة. بطاقات بلا ولوج تعتبر برلمانية حزب "الرسالة" أن ضعف العرض الصحي، ونقص الموارد البشرية، واستمرار الفوارق المجالية الصارخة، يجعل التغطية الصحية في كثير من الحالات، مجرد بطاقة لا تضمن ولوجا فعليا للعلاج، بل دفع المواطن إلى أداء فروقات مالية مرهقة، أو إلى التخلي عن العلاج تحت ضغط الكلفة وطول المواعيد. وبخصوص مشروع دمج الصناديق الاجتماعية، الذي ما زال قيد الدراسة، فإن الصيغة المطروحة تعكس بوضوح غياب رؤية إصلاحية شاملة وعادلة، تقول التامني، فالمشروع يتحدث عن دمج التدبير فقط، دون توحيد للحقوق أو للأنظمة، ودون ضمانات صريحة للحكامة الجيدة والتمثيلية الديمقراطية للمنخرطين، وهو ما يحول هذا الخيار إلى إجراء تقني ضيق الأفق، هدفه تدبير الضغط المالي المتزايد والاختلالات البنيوية، بدل معالجة جذور الأزمة وبناء منظومة حماية اجتماعية منصفة ومستدامة. آلية إسعاف ظرفية ترى التامني أنه رغم الغلاف المالي المرصود للدعم الاجتماعي المباشر، فإن محدودية مبالغه، وعدم ربطه بإصلاحات هيكلية في الأجور، وسياسات التشغيل، والعدالة الجبائية، يجعله عاجزا عن مواجهة موجة الغلاء، وتدهور القدرة الشرائية. فالدعم، في ظل هذا السياق، يتحول إلى آلية إسعاف ظرفية، لا إلى سياسة عمومية لإعادة توزيع الثروة، وتقليص الفوارق الاجتماعية. وتخلص التامني إلى التأكيد على أن حصيلة الحكومة في الحماية الاجتماعية تظهر توسعا كميا في التغطية يقابله تعمق في تسليع الصحة، وإصلاحات تقنية تدار بمنطق الاستعجال وتدبير الأزمة، لا بمنطق بناء دولة اجتماعية قوية، مضيفة أن الرهان الحقيقي، الذي لم تجب عنه الحكومة بعد، هو الانتقال من منطق السوق والربح إلى منطق الحق والكرامة، ومن تسويق الأرقام إلى حماية اجتماعية فعلية يشعر بها المواطن في حياته اليومية. برحوبوزياني