الاستغلال الرقمي… العنف الذي يهدد الطفولة

أضحى استغلال بعض الأسر لأطفالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة تتنامى بوتيرة متسارعة، في ظل سعي متزايد نحو الشهرة أو تحقيق مكاسب مادية، دون إدراك حقيقي للآثار النفسية والتربوية العميقة التي قد تترتب عن هذا السلوك. فبين ما يقدم على أنه ترفيه بريء أو مشاركة عفوية للحظات عائلية، يتحول الطفل في كثير من الأحيان إلى أداة لصناعة المحتوى، خاضع لمنطق “المشاهدات” و“اللايكات”، ومحروم من حقه في الخصوصية وفي عيش طفولته بشكل طبيعي.
وتؤكد آراء المختصين والفاعلين في مجال حماية الطفولة أن هذا الاستغلال الرقمي لا يقل خطورة عن أشكال العنف الأخرى، إذ يؤثر بشكل مباشر على التوازن النفسي والانفعالي للطفل، ويربك مسار نموه السليم. فالطفل، الذي لم يكتمل نضجه الإدراكي والقيمي، يجد نفسه في مواجهة ضغط نفسي غير متناسب مع سنه، ناتج عن التعرض المستمر للتصوير، ولتقييم الغرباء، ولتوقعات الأسرة والجمهور.
ضغط نفسي
أكدت نجاة أنوار، رئيسة منظمة ’’ماتقيش ولدي’’، أن استغلال الأطفال من قبل عائلاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي يعد شكلا من أشكال العنف والاستغلال الرقمي، حتى وإن تم أحيانا تحت غطاء “الترفيه” أو “الشهرة” أو “تحسين الوضع المادي”.
وأبرزت في تصريحها لـ ’’الصباح’’ أن للطفل حقا أساسيا في عيش طفولته بشكل طبيعي، وفي الخصوصية، وفي النمو النفسي والاجتماعي السليم، مشددة على أن تعريضه بشكل يومي للتصوير وتعليقات الغرباء، ولمنطق “المشاهدات” و“الإعجابات”، يضعه تحت ضغط نفسي لا ينسجم مع سنه، وقد يؤثر على توازنه العاطفي، وصورته عن ذاته، وعلاقته بعائلته ومحيطه.
وأضافت أن الأخطر هو حين تتحول حسابات الأطفال إلى مصدر دخل أو وسيلة لتحقيق الشهرة للبالغين، دون أي حماية قانونية أو نفسية للطفل، ودون مراعاة لآثار ذلك مستقبلا، سواء على سمعته أو أمانه أو حقه في الاختيار عندما يكبر.
وشددت رئيسة منظمة ’’ماتقيش ولدي’’ أن حماية الطفل لا تتوقف عند منع العنف الجسدي أو الجنسي فقط، بل تشمل أيضا حمايته من الاستغلال الرقمي، ومن تحويل حياته الخاصة إلى محتوى عام، معتبرة أن ذلك يستدعي وعيا مجتمعيا أكبر، وتأطيرا قانونيا واضحا، ودورا أساسيا للإعلام في التنبيه إلى خطورة هذه الممارسات.
عنف غير مباشر
قال الدكتور بوشعيب الباز، المتخصص والباحث في تحليل وعلاج الاضطرابات النفسية والإشكالات السلوكية، إن استغلال الأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل أسرهم أصبح ظاهرة متنامية، وغالبا ما يبدأ على شكل مزاح أو تجربة عابرة، قبل أن يتحول إلى ممارسة مستمرة مع تزايد تفاعل الطفل وإقباله، وهو ما يشكل عاملا مشجعا للأسر على الانخراط أكثر في إنتاج ونشر محتويات رقمية يكون الطفل محورها.
وأوضح الباز في تصريح خص به ’’الصباح’’ أن هذا السلوك، من الناحية الأخلاقية، يساهم في بناء جيل تابع، يفتقر إلى القدرة على اتخاذ القرار، ويحمل منظومة قيم مختلفة، مبرزا أن التربية تمر بمراحل أساسية، إذ يحتاج الطفل منذ ولادته وإلى حدود سن التاسعة إلى برامج تربوية خاصة تعنى بتنمية جهازه العضلي والعصبي والنفسي والانفعالي.
وأضاف أن هذا النوع من الاستغلال الرقمي يعرض الجهاز النفسي للطفل للاهتزاز، ويمارس عليه شكلا من العنف غير المباشر، كما يخترق “الجدار المناعاتي” النفسي للطفل، ويؤثر سلبا في نموه الانفعالي واستقراره النفسي، فضلا عن تأثيره على جهاز الإدراك.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن إظهار الطفل للفرح أثناء مشاركته في إنتاج المحتوى يدفع الآباء إلى الاعتقاد بأنه سعيد، مما يشجعهم على الاستمرار، في حين أن هذا السلوك يسرع وتيرة إدراك الطفل بشكل غير متوازن مع نضجه النفسي، لافتا إلى أن آثار هذا الاستغلال تمتد إلى مستقبل الطفل، إذ في حدود سن 12 سنة، وقبل مرحلة المراهقة، يتطور إدراكه بسرعة ويصبح قادرا على إنتاج المحتوى بنفسه، لكنه يظل غير ناضج في اختياراته، ولا يميز مدى ملاءمة ما يقدمه للقيم المغربية والإسلامية أو لخصوصيات المجتمع.
وحذر الدكتور بوشعيب الباز من أن الأسرة قد تجد نفسها أمام “صانع محتوى صغير” غير ناضج، قد يساهم في تخريب المنظومة القيمية للمجتمع، منبها إلى أن دخول الأطفال مرحلة المراهقة يكشف حجم التأثير السلبي لهذه المحتويات، حيث تظهر مظاهر الجنوح والانحراف، وغياب ثقافة الاحترام والأخلاق، والتهور الناتج عن تأخر مستوى النضج مقارنة بسرعة الإدراك، مشددا على أن الاستغلال الرقمي للأطفال ينذر بمشاكل متعددة واختلالات وظيفية في سيرورة المجتمع، وقد يفرز ظواهر سلبية أخرى مستقبلا.






