نهاية عهد الفوضى.. هكذا يعيد القانون الجديد الهيبة للمجلس الوطني والمهنة

يعيش قطاع الصحافة والنشر في المغرب مرحلة دقيقة وحاسمة، عنوانها الأبرز التحول العميق الذي مس البيئة الإعلامية، واهتزاز الأسس القانونية التي يفترض أن تنظم ممارسة السلطة الرابعة وتحصنها. وفي قلب هذا التحول، يبرز النقاش حول إصلاح القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة الذي بات، وفق إجماع مهني واسع، متجاوزا من حيث الصياغة والوظيفة، وعاجزا عن مواكبة واقع إعلامي يتغير بسرعة غير مسبوقة.
فالقانون السابق، الذي لم يكن يتجاوز 54 مادة، ولد في سياق تأسيسي لم تكن فيه التجربة المغربية في التنظيم الذاتي ناضجة بما يكفي. وقد ظهر، مع مرور السنوات، أن النص اختزل مؤسسة بهذا الحجم في إطار قانوني مختصر، ترك ثغرات واسعة عطلت آليات الحكامة الداخلية، وأوقفت العمل المؤسساتي بمجرد انتهاء الولاية الانتخابية للمجلس، لغياب نصوص تضبط الدعوة إلى الانتخابات أو تحدد الجهة المشرفة عليها. كما لم يضع القانون تصورا واضحا لاستمرارية المجلس، ولم ينظم بدقة عمل اللجان أو العلاقة مع المؤسسات الدستورية، مما جعل التنظيم الذاتي نفسه مهددا في الصميم.
هذا القصور الهيكلي ازداد وضوحا مع التحول الرقمي المتسارع، حيث لم يعد المشهد الإعلامي مقتصرا على الصحافة الورقية أو المواقع الإخبارية المهنية، بل امتلأ بصفحات ومحتويات رقمية بلا هوية مهنية واضحة، وتضخم دور قنوات فردية لا تخضع لأي ضابط قانوني، وبرزت ممارسات أثرت سلبا على المحتوى الإخباري بالمضاربة والتشهير والأضرار بسمعة الأشخاص والمؤسسات. لقد تغير العالم، لكن القانون القديم بقي حبيس لحظة ولادته الأولى.
وفي ظل خمس سنوات من الممارسة، إضافة إلى تجربة اللجنة المؤقتة التي أدارت القطاع خلال فترة الفراغ، أصبح لدى الجسم الصحافي تشخيص دقيق للاختلالات وبوصلة واضحة لاتجاه الإصلاح. فجاء مشروع القانون الجديد بـ97 مادة، أي ما يقرب من ضعف النص القديم، ليعيد بناء التنظيم الذاتي وفق رؤية مهنية تستند إلى تجارب مقارنة، وتقدم إجابات واضحة حول آليات الانتخاب والحكامة والتمثيلية.
ومع بروز المشروع إلى العلن، تعالت أصوات رافضة لا تخفي خشيتها من لحظة تنظيم طال انتظارها. معظم هذه الأصوات تنتمي إلى فئة استفادت لسنوات من حالة السيولة الرقمية، وتستمد وجودها من غياب الضوابط القانونية: منتحلو الصفة، ناشرو صفحات بلا مقرات ولا هياكل، أصحاب قنوات خارج القانون، فاعلون بدون بطاقة مهنية، وصناع محتوى قائم على التشهير واستغلال الفوضى لكسب النفوذ أو المردودية. وبالنسبة لهؤلاء، يمثل القانون الجديد تهديدا مباشرا لبنية الامتيازات التي بنتها الفوضى.
لكن القراءة الهادئة تكشف أن المشروع لا يستهدف تضييع الحريات، بل يستهدف تحرير التنظيم الذاتي نفسه من أعطاب بنيوية جعلته رهينة فراغ قانوني مزمن. فالقانون الجديد يكرّس استقلالية المجلس ماليا وإداريا، ويوفر آليات انتخابية شفافة تعتمد الانتخاب الفردي بدل اللوائح، ويعيد تعريف الناشر الحقيقي، ويضع مدونة أخلاق ملزمة لا اختيارية، ويحمل آليات واضحة للزجر والانضباط تحمي المهنة من التشهير والانتحال والتلاعب بالمصداقية.
كما تستند أغلب مكونات الإصلاح إلى تقرير اللجنة المؤقتة التي تمثل بنية مهنية مستقلة، وليست قرارا حكوميا من فوق، مما يجعل الحديث عن تدخل سياسي رفضا يفتقر إلى السند. ثم أن النقاش الدائر حول مادتين أو ثلاث من أصل 97 مادة، يعكس اختزالا غير مهني يغفل جوهر المشروع وأبعاده الهيكلية.
وفي المنظور الأوسع، ينسجم هذا الإصلاح مع التوجهات الدولية للتنظيم الذاتي في الديمقراطيات الحديثة، حيث تمنح المجالس المهنية صلاحيات واسعة وأطر قانونية دقيقة وأنظمة انتخابية شفافة، مما يضمن استقلاليتها ويحصنها من الاختراقات.
إن إصلاح القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة ليس خطوة تقنية، بل مسار استراتيجي يعيد الاعتبار لمهنية الصحافي، ويصون ثقة المواطن، ويحمي صورة الدولة من تلوث المشهد الإعلامي بالفوضى، ويعيد للتنظيم الذاتي هيبته ومكانته. وهو، قبل كل شيء، إعلان عن نهاية مرحلة وولادة أخرى: مرحلة تبنى على الوضوح والمسؤولية وحماية المهنة من العبث.
والذين يثيرون اليوم اللغط حول الإصلاح، يدركون تماما أن زمن الفوضى يضيق، وأن التنظيم الذاتي الحقيقي سيعيد المهنة إلى أهلها، وسيكرس قواعد اللعب المهني بشفافية لا لبس فيها.






