مراكش تستقبل قادة الأمن العالمي في قمة الإنتربول

تستعد مراكش لاحتضان حدث دولي بالغ الأهمية سيجعل منها، مرة أخرى، نقطة التقاء مركزية للأمن العالمي. فمن 24 إلى 27 نونبر الجاري، ستحتضن العاصمة السياحية للمغرب الدورة الـ93 لقمة الإنتربول، وهو موعد ينظر إليه كأحد أبرز الملتقيات الاستراتيجية المخصصة لإعادة رسم أسس التعاون الأمني بين دول الشمال والجنوب في مرحلة تتكثف فيها التهديدات العابرة للحدود.
وفي مقال له على صحيفة “لو جورنال دو ديمانش”، يرى الجيوسياسي سباستيان بوسوا، أن اختيار المغرب لاحتضان هذا الموعد الاستراتيجي يشكّل إشارة واضحة إلى المكانة التي باتت المملكة تحتلها في منظومة الأمن الدولية، وإلى الدور المتنامي الذي تلعبه في تعزيز التعاون بين دول الشمال والجنوب.
ويؤكد بوسوا أن العالم اليوم يعيش تحت ضغط تهديدات متنوعة ومتشعبة: الإرهاب، والجريمة المنظمة، وتدفقات الهجرة غير النظامية، والاتجار بالبشر والسلاح، وتنامي الهجمات السيبرانية. وفي مواجهة هذا المشهد المتفجر، أصبحت الشراكة الأمنية، في نظره، ضرورة لا تحتمل التأجيل، بل شرطا أساسيا لحماية المواطنين عبر العالم، مؤكدا أن قمة مراكش تأتي لتجسد هذا الوعي الجماعي بأن الأمن لم يعد شأنا وطنيا معزولا، وأن تقوية الجسور بين الأجهزة الأمنية لم تعد خيارا بل التزاما دوليا.
ويستعيد بوسوا الدرس البارز الذي كشفته هجمات باريس في 13 نوفمبر 2015، حين لعب الإنتربول دورا محوريا في تنسيق المعلومات بين عواصم أوربية عدة، إضافة إلى الرباط التي قدمت إحدى أكثر المعطيات حسما في تلك المرحلة. فقد كانت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني في المغرب هي من نبهت الجانب الفرنسي إلى وجود أحد مدبري الهجمات، عبد الحميد أباعود، في سان دوني.
ويرى الكاتب أن تلك المساهمة كانت حاسمة، إذ مكنت من تحديد موقعه وتحييده، في خطوة حالت دون سيناريوهات أكثر دموية. ومنذ ذلك التاريخ، يضيف بوسوا، تضاعفت قنوات تبادل الخبرة الأمنية بين المغرب والدول الأوربية، وضاعف بذلك عبد اللطيف حموشي تنقلاته بين عدة عواصم أوربية لتقاسم التجربة المغربية، التي باتت نموذجا تستلهم منه العديد من الأجهزة في القارة.
ويشير بوسوا إلى أن اختيار مراكش لاحتضان القمة ليس خيارا تقنيا ولا اعتباطيا، بل رسالة سياسية وأمنية في آن واحد. فمنذ هجمات الدار البيضاء عام 2003، استطاع المغرب بلورة مقاربة شاملة ومبتكرة لمكافحة التطرف والإرهاب، تشمل تفكيك الخلايا قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ، وإصلاح الحقل الديني عبر ضبط الخطاب الروحي وتكوين أئمة قادرين على مواجهة الفكر المتطرف، إضافة إلى مراقبة دقيقة للملفات ذات الحساسية العالية، وتعاون مكثف مع شركاء دوليين، من الولايات المتحدة إلى فرنسا وإسبانيا ودول الساحل الإفريقي. ويذكر الكاتب بأن واشنطن نفسها وصفت المملكة مرارا بـ”الشريك الأكثر موثوقية” في شمال إفريقيا في مجال مكافحة الإرهاب.
وخلص بوسوا إلى أن استضافة مراكش لهذا الحدث الدولي ليست سوى تتويج لمسار طويل جعل من المغرب فاعلا لا يمكن تجاوزه في هندسة الأمن العالمي. فالمملكة، في نظره، أصبحت مركز ثقل في التوازنات الأمنية بين الشمال والجنوب، وقمة الإنتربول المقبلة لن تكون سوى محطة جديدة لترسيخ هذا الدور وتعزيز التعاون الدولي في زمن بات فيه الأمن مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود الدول والجغرافيا.






