تلاقح جيلين لمواكبة التحديات هل باتت مهنة المحاماة تعرف صراعا بين قيم مهنية قديمة وسياقات جديدة فرضتها التكنولوجيا، مثل سرعة التقاضي، وانتظارات المجتمع؟ > بالفعل، يمكن أن نقول بلغة خفيفة لطيفة إن مهنة المحاماة أصبحت اليوم تعيش صراعا شبه بنيوي بين قيم مهنية أصيلة، أرساها جيل الرواد، وبين سياقات جديدة فرضتها الظروف والتحولات الرقمية، وتسارع إيقاع التقاضي، وارتفاع انتظارات المتقاضين والمجتمع. ولا ننسى معها طموحات جيل من المحامين الشباب الذين التحقوا بهذه المهنة، أخيرا. وكل ما جرى ويجري في نهر المحاماة العظيم خلال السنوات الأخيرة، هو نتيجة تحول عميق، في البيئة القانونية والاجتماعية والاقتصادية للمهنة وللمنتسبين لها من الشباب، الأمر الذي يجعل الإطار القانوني الحالي غير قادر في كثير من جوانبه على استيعاب المستجدات. ويمكن القول إن النظام الانتخابي يفرز لنا تركيبة من جيل المحامين القدامى، جيل الرواد المتمسح بالوقار المهني وتقديس الأخلاقيات المهنية وسعيهم الدائم لحل النزاعات قبل انفلاتها، وجيل من المحامين الجدد الذين ولدوا وفي أيديهم لوحات أو هواتف ذكية أو عاشوا بالقرب منها، تمرسوا على سرعة الواقع وتحديات العصر الرقمي، جيل عاش التقاضي عن بعد، ورقمنة إجراءات المحاكم، جيل أصبح يتواصل مع الزبناء عبر «الواتساب» والتطبيقات الذكية. وهذا التلاقح في نظري بين جيلين مختلفي الخلفية، سيفرز لنا قاعدة مهنة صلبة تنهل من جيل الرواد وجيل المستقبل، وسيجعل الأعضاء الشباب يستفيدون من حكمة ومهنية جيل النقباء السابقين والأعضاء القدامى. هل أساليب العمل التي كان يعتمد عليها جيل القدامى في المكتب، لن تبقى صامدة أمام الأساليب الجديدة، التي يعتمد عليها الشباب في مكاتبهم؟ > لكل أسلوب مزاياه وعثراته، فالأسلوب القديم في الكتابة بخط اليد، وتسليمه للكاتبة لطبعه وبعدها تصحيحه من قبل المحامي، وفي تضمين الجلسات في مذكرات ورقية، وتضمين معلومات الملف بشكل يدوي وورقي، أسلوب في نظري يصقل مهنة المحامي ويدرب عقله وتفكيره، ويجعل ما كتبه أو قام به من إجراءات تدخل بقوة لذاكرته وتحتل مكانا صلبا بها، ويكون جاهزا حاضرا كلما طلبه فكر أو قلم المحامي، وإن كان أسلوبا يستهلك طاقة كبيرة والكثير من الوقت والجهد. أما أسلوب المحامين الجدد المعتمدين على الأنترنت والذكاء الاصطناعي والرقمنة، فيسهل أمر كل شيء ويقربه، ويجعل الصعب سهلا، ويسهل من أمر البحث في القوانين والقرارات القضائية، لكن من مساوئه في نظري أنه يجعل فكر المحامي وعقله، مرتبطين بشكل كبير بالبحث عن المعلومة القانونية عبر المواقع والتطبيقات الذكية، ليفعل بعدها ميزة «كوبي كولي»، التي تجعل فكر المحامي وعقله يتكاسلان في بذل مجهود للتحليل والكتابة الشخصية، مادام أنه يجد المادة جاهزة. يلاحظ في انتخابات المحامين قلة المحاميات اللواتي تمكن من الفوز بمنصب العضوية في المجالس، وعدم فوز أي محامية بمنصب النقيب، هل هذا راجع لانعدام الكفاءة أو لعدم الثقة في العنصر النسوي؟ > سؤال مهم، يطرح إشكالا حقيقيا بدأ يظهر جليا وواضحا، خصوصا بعد تزايد عدد المحاميات بالمغرب المسجلات بالهيآت، حتى بات عددهم يقارب عدد المحامين، ولكن مع الأسف تمثيليتهم داخل المجالس قليلة جدا، رغم أن عددهم كبير، والأدهى أن هناك مجالس لم تنتخب ضمن عضويتها أي محامية. وهذا ليس راجع لقلة كفاءة المترشحات من المحاميات، لأن أغلب المحاميات اللواتي ترشحن وخسرن الانتخابات معروفات بمهنيتهن وكفاءتهن، ودفاعهن عن المهنة والمنتسبين إليها. ولكن الانتخابات المهنية التي مازالت تفضل الرجل المحامي على المرأة المحامية، والتي تُقصي المرأة المحامية من أن تكون عضوا في المجالس أو نقيبة، من المؤكد أنها ستدفع المشرع للتدخل بوضع «كوطا» في قانون المحاماة للمحاميات في المجالس لأعضاء المجالس، خاصة بالمحاميات، كما هو الشأن بالنسبة للقاضيات في المجلس الأعلى للسلطة القضائية. فإذا كان قانون المحاماة يسمح للمحامية بالترشح لمنصب عضو المجلس أو نقيب الهيأة بعد توفر الشروط فإن الآلة الانتخابية المهنية، مازالت تميل بشكل كبير وشبه كامل للمحامي، وهو الأمر الذي لا تنظر إليه المحاميات الطامحات في تسيير الشؤون المهنية من موقع العضوية بعين الرضى. وهي العين نفسها التي لدى مسؤولي الدولة الذين يدفعون لمغرب يريدون أن تكون فيه للمرأة المغربية بصمات في تسيير كل القطاعات، حتى ولو اضطرهم ذلك إلى وضع قوانين، تفرز أماكن خاصة بالنساء المترشحات في مختلف القطاعات، حتى تبني أسوارا من طوب رجالي ونسائي، لم تستطع الانتخابات أن تنجح في فرزه وتنويعه. أجرى الحوار: محمد بها * محام بهيأة الجديدة