أخبار 24/24

قصر بوسكورة… شهادة هندسية تقلب الموازين وتسقط شرعية البناء

لم يعد ملف قصر بوسكورة مجرد قصة هدم بناية ضخمة، بل تحول إلى مرآة تظهر بوضوح أن المغرب دخل مرحلة جديدة لا مكان فيها للفوضى العمرانية ولا لسلطة المال التي تحاول الالتفاف على القانون تحت غطاء الاستثمار. فعملية الهدم لم تكن نهاية مبنى بقدر ما كانت نهاية مرحلة كان يعتقد فيها البعض أن بإمكانه تجاوز القواعد التنظيمية والتقنية دون محاسبة.

ووسط الجدل ومحاولات تحويل الهدم إلى “اعتداء على مشروع استثماري”، جاءت شهادة المهندس المعماري، التي تتوفر “الصباح” على نسخة منها، لتكشف المستور، فقد قدم شهادة دقيقة ومهنية تؤكد أن المشروع، منذ 2021، لم يكن مطابقا لقواعد التعمير، وأن الأشغال كانت مليئة بخروقات بنيوية خطيرة، شملت ارتفاعات غير مرخصة، تغييرات جوهرية في الواجهات، بنية إنشائية أخف من المعايير المطلوبة، وتدخلات كبرى تمت دون إشراف أي مهندس معتمد، ما جعل الورش عملياً خارج أي رقابة تقنية.

وتتعلق النقطة الأكثر حسما في الشهادة بالشق القانوني المرتبط بـ”وجود رخصة بناء من عدمه”، فهذه العبارة تمثل جوهر المشروعية في مجال التعمير، إذ لا يمكن البناء أو التعديل أو التوسعة دون رخصة قانونية سارية. وتؤكد الشهادة أن الرخصة الأصلية الممنوحة سنة 2021 فقدت صلاحيتها بعد تعليقها سنة 2023، وأن كل الأشغال التي استمرت بعد الإنذار الإداري الصادر سنة 2022 تمت دون أي ترخيص قانوني، كما أن كافة التعديلات الكبرى التي عرفها القصر لم تستند إلى أي وثيقة رسمية تثبت وجود رخصة بناء.

وبذلك يصبح الورش، من منظور القانون، في حكم البناء بدون رخصة، وهي مخالفة تستوجب الهدم مباشرة وفق التشريعات المغربية، من دون حاجة لأي تأويل إضافي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أكد المهندس أنه أوقف زياراته التقنية منذ يونيو 2022 بسبب غياب الشروط القانونية، وأن صاحب المشروع استعان بـ”مصممة داخلية أجنبية” لا يعرف هويتها، ما يعكس أن الورش خرج بالكامل عن المسار الهندسي والقانوني.

القضية تتجاوز تفاصيل “علو زائد” أو “تغيير واجهة”، لتصبح منظومة متكاملة من التعديات العمرانية في منطقة فلاحية تخضع لضوابط صارمة. ورغم ذلك، اختار صاحب المشروع البناء أولاً خارج القانون ثم محاولة تبرير الخروقات لاحقا، في محاولة لإلصاق صفة الشرعية على مشروع لم يحترم الحد الأدنى من مساطر التعمير.

وعندما تم تنفيذ عملية الهدم، لم يكن الأمر يتعلق بهدم قصر فقط، بل بهدم مسار كامل من الأشغال غير القانونية، والتعديلات غير المرخصة، والاختلالات التقنية، ومحاولات الالتفاف على القانون تحت يافطة الاستثمار، وفي جوهرها غياب أي رخصة لبناء التوسعات التي عرفها المشروع.

ووجهت الدولة من خلال هذا القرار رسالة واضحة بأن لا شيء يعلو فوق القانون، لا حجم المشروع، ولا أسماء أصحابه، ولا حضورهم في وسائل التواصل الاجتماعي. وجاءت شهادة المهندس لتغلق الباب أمام كل محاولات تزييف الحقائق، مؤكدة أن صاحب المشروع كان على علم بمخالفاته، وأنه استمر في البناء رغم الإنذار الإداري، ورغم توقف المهندس، ورغم تعليق الرخصة، ما جعل كل ما بني لاحقا يدخل في خانة البناء بدون رخصة، أي بناء خارج المشروعية.

إن ملف قصر بوسكورة ليس مجرد واقعة عمرانية، بل درس واضح في سيادة القانون، يؤكد أن لا بناء دون رخصة، ولا توسعة دون إذن، ولا مشروع مهما كان حجمه فوق قواعد التعمير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.