فنانون يحولون جزيرة "جبيل" إلى لوحة مفتوحة على المطلق بمجرد ما يرخي الليل سدوله، يغمر الظلام جزيرة "جبيل" التي تنتمي إلى الجزر التي يتكون منها أرخبيل أبو ظبي، والذي يضم أزيد من مائتي جزيرة. في ركن قصي من هذه الجزيرة التي تقع بين جزيرتي "السعديات" و"ياس"، وخارج دائرة الأضواء والعمارة الحديثة وناطحات السحاب، تستكين "جبيل" لهدوئها وحالتها الطبيعية الأولى، بين رمالها التي تكسوها أشجار غابات القرم وتخترقها مياه الخليج العربي. تستقبل جزيرة جبيل" الأعمال الفنية المقدمة ضمن تظاهرة "منار أبو ظبي" والتي تشكل، في أغلبها، نوعا من التماهي مع الحالة الطبيعية من خلال لمسات فنية تساير الطبيعة ولا تطوعها أو تخضعها، بل تتناغم معها، خاصة عندما يغشوها الظلام، فتشع أضواء التركيبات الضوئية الفنية، لتمنح للجزيرة الهادئة روحا أخرى تنبض بالإبداع والخيال البشري. في هذا الخاص تأخذكم "الصباح" ضمن التشكيلات الفنية لمعرض "منار أبو ظبي" التي وقعها فنانون من دول مختلفة، اختاروا الاشتغال بأساليب مختلفة على الضوء في تناغمه مع الطبيعة. إعداد: عزيز المجدوب (موفد "الصباح" إلى أبو ظبي) "متنفس الزهور"... اتصال الإنسان والنبات في عمله الفني الذي اختار له عنوان "متنفس الزهور"، قام الفنان الألماني كريستيان برينكمان بتركيب تفاعلي سمعي بصري يجسد العلاقة الحية بين الإنسان والنبات. في قلب العمل تقف نبتة حقيقية مزودة بمستشعرات تستجيب للمس والقرب، فتترجم كل إشارة كهربائية إلى ضوء وصوت وصورة في الزمن الحقيقي. لا يتكرر المشهد مرتين، فالنبتة هنا ليست مادة تنظر إليها فحسب، بل شريك في الأداء الفني. ويدعو هذا العمل المتلقي إلى الاقتراب برفق ووضع يده بثبات على النبتة، ليصغي إلى تجاوبها الهادئ، فيما يبطئ الإيقاع ويفسح المجال للإنصات. ولا تتقدم التقنية على الطبيعية، في هذا العمل، بل تتعلم منها كيف تصغي وتجيب. همسات"... تناغم الأضواء والرياح حطت تجربة "دريفت" الهولندية الرحال في جزيرة "جبيل" من خلال أكثر من عمل فني، أحدها موسوم ب"همسات" وهو تركيب تفاعلي تنساب فيه الأضواء مع الرياح في الجزيرة. يقع العمل داخل كثيب رملي يتخذ شكلا دائريا ويفتح أكثر من منظور. فمن الأعلى يبدو مثل بحر من الأضواء المتمايلة، فيما يتحول المشهد من الداخل إلى شريط هادئ من الضوء والحركة. ومع مرور النسائم، تتحرك السيقان المضيئة كأنها عشب طويل يتمايل بانسجام، فتولد من هذا الإيقاع حالة من السكون والاتزان. تدعو تجربة "دريفت"، التي تأسست في 2007 على يد لونيكي غورجين ورالف ناوتا، من خلال هذا العمل إلى التمهل والإنصات. يتباطأ النفس وتخف الخطوات، كل نسمة تثير استجابة مختلفة لا تتكرر. يتحكم نظام تفاعلي بشدة الإضاءة، فتتغير الحقول الضوئية وتستقر وفق قوة الرياح، ومع كل تبدل، يعيد التكوين نفسه بهدوء، ثم يسكن وينهض مجددا. لا تعتبر تجربة "دريفت" "همسات" مجرد تجربة بصرية عابرة، بل فضاء حي يلتقي فيه الضوء والهواء والإنسان في لحظة واحدة من الصفاء، وتتناوب فيه الحركة والسكينة في حوار خافت محسوس، كما تكشف الطبيعة عن جمالها الصامت، لتذكّر المتلقي بأن أعمق ما فينا قد يُرى حين يُصغى إليه. "الكوة"... حوار الضوء والصوت في عمل "الكوة" تحول تجربة "أنكور استوديو" السويسرية الإدراك إلى تجربة حسية يتقاطع فيها الضوء مع الصوت والانعكاس. يقام العمل داخل حاوية معدنية معاد تدويرها بطول ستة أمتار، جهزت جدرانها بزجاج مصفح بالكريستال السائل لتتحول إلى صندوق مصنوع من الضوء. تتناغم الأضواء النابضة مع صوت الحاضرين في تجربة تحيط بالمتلقي من كل جانب، بينما ينساب الضباب المتقطع ليلطف الحوافّ ويعمق الإحساس بالحيز المكاني. تقرأ المستشعرات حركة الزائرين، وتحوّل وجودهم إلى تسلسلات متبدلة من الضوء والصوت، فيذوب المشهد في الفضاء ويتحول النظر إلى تفاعل بين المراقب والمراقَب. كل عبور يترك أثرا فريدا لا يتكرر، فيما تحتضن الحاوية حوارا بين العزلة والانكشاف، وبين الداخل والعالم الخارجي، ومن خلال مزج الضوء والصوت بالحضور الإنساني، يعيد عمل "الكوة" صياغة المكان الساكن إلى بيئة نابضة تتجاوب مع المتلقي، وتدعوه إلى السير في "الكوة" ببطء ويدع الضوء يأخذ هيأته ثم يعيدها إليه لامعة ومختلفة وأكثر يقظة. "ممر إلى السماء" على خطوات السكون في عمله "ممر إلى السماء" يضع الفنان الأرجنتيني إيزيكييل بيني، المعروف باسم "سيكس إن فايف"، تركيبا ضوئيا موقعيا يتكون من سطح مائل عاكس وحجر منحوت، ويقع بين أشجار القرم، حيث تعكس المرآة المشهد المحيط والسماء المفتوحة معا. يستجيب النظام التفاعلي لحضور الزوار بإظهار كوكبات متحركة من الضوء تتكشف تدريجيا، فلا تظهر دفعة واحدة بل تتكون ببطء كأنها تنبض استجابة لانتباه الناظر إليها. ينطلق العمل من بحث الفنان المستمر حول الزمن والإدراك والحدود بين الواقع والخيال، ويدعو إلى السكون أكثر من الحركة. ويحوّل الضوء من مجرد إضاءة إلى ذاكرة وإيقاع وتناغم هادئ مع المكان، حيث يصبح الحضور لحظة تأمل في الزمن نفسه. هذا العمل، حسب واضعيه، ليس مصنوعا للعبور، بل للبقاء. يدعو إلى الوقوف وإطالة النظر، بينما يحافظ الحجر على توازنه، تميل المرآة برفق نحو السماء، وترى مظلات القرم ومجاري المد تتنفس حول المتلقي، فيما تنتظر النجوم بصبر أن يراها. "ميادين"... لقاء الفن والتقنية يقدم مشروع "ميادين" لتجربة "إريغولر" الكندية، أربعة أعمال تفاعلية تتقاطع في مساحة واحدة تحت عنوان "حيت يتدفق الشلال". تصوغ التجربة تدفقا عموديا يستجيب للمس، فيما يشكل العمل الفني "وجوه" جوقة من الصور الشخصية. أما "خارج السيطرة" فيحول الجدار إلى سطح حي يتفاعل مع الحركة، بينما يوجّه عمل "أقدار" الفضول نحو تلك الخفية التي نسميها الحظ. ترصد الكاميرات والمستشعرات حركة الزوار وتحول حضورهم إلى صور وأصوات عبر الشاشات، ليصبحوا جزءا من عملية الخلق. يبقى النظام حيا ومتفاعلا، يتجدد مع كل مرور، فلا تتكرر لحظتان أو تتشابهان بل تظهر الأنماط وتذوب وتعود، لتغدو الساحة آلة جماعية للحركة والتعبير. يجتمع الفن والتقنية هنا في خريطة نابضة للتفاعل الإنساني. تتقاطع المسارات وتفترق، يتوزع الانتباه ثم يلتئم. يستجيب العمل في الزمن الحقيقي، ويدعو المتلقي إلى الاستكشاف، والتمهل وإعادة التجربة، وتتحول الحركة إلى أثر بصري مشترك، وتغدو الساحة وسيلة لرؤية كيف نتحرك معا. "عدن"... لغة الأرض اختارت الفنانة الماليزية باميلا تان عبر عملها "عدن" أن تضبط إيقاعه عبر هيكل فولاذي ترتفع منه أعمدة رفيعة تسمح بمرور الهواء وانسياب الحركة. عند قممها تتجمع كرات زجاجية تلتقط الضوء وتعكسه، كاشفة تفاصيل الرمل وحواف الأوراق. فيما يتراجع الهيكل قليلا ليتيح للأرض أن تتحدث بلغتها. يستحضر التصميم ملامح البيوت الزجاجية في القرن التاسع عشر، مع صدى "قصر باكستون الكريستالي" في 1851، في إعادة صياغة معاصرة للمشهد الطبيعي. يبدو العمل، من بعيد، مثل كوكبة صغيرة تمتد عبر الأفق. تتماسك الخطوط وتحمل الكرات الشفافة في توازن هادئ يرسخ حضور المكان ويهدهد النظر. لا يقصي "عدن" البيئة من حوله، بل يضعها في إطار جديد يجعل التفاصيل أكثر وضوحا وعمقا. يتكون فضاء مفتوح للتأمل، حيث يبقى الضوء والأوراق في انسجام لطيف، ويغادر الزائر حاملا المشهد في ذاكرته. "النجم العابر"... استشعار الجمال في عملها "النجم العابر" اختارت الفنانة الإماراتية شيخة المزروع تقديم تركيب أرضي يستكشف مفهوم الهشاشة والتحول في تناغم مع الطبيعة المحيطة. يتكون العمل من حفل من الملح، مادة دقيقة وزائلة في آن واحد، تستمد وجودها من البحر وتتشكل بفعل التبخر والحرارة والرياح. يستقر التركيب الفني بين أشجار القرم ويتكون من جسم دائري قطره ثلاثون مترا، مغمورة بطبقة من الماء الساكن، قبل أن تبدأ رحلة التحول. مع مرور الوقت، يتبخر الماء ويتكثف اللون، وتتشابك بلورات الملح لتصنع طبقة رقيقة كالثلج، فما كان سائلا يتحول إلى صلب، وما كان خفيا يغدو مضيئا، ومع حلول الليل، يلتف ضوء هادئ حول الحواف وأسفل الدائرة، فيمنح سطح الملح وهجا لطيفا كبدر منخفض يضيء المكان من داخله. يقود المسار المتلقي بخطوات متأنية نحو لحظة اكتشاف هادئة تشبه العثور على نجم خفي، تستدعي في الذاكرة "نجم سهيل" أو النجم المعروف باسم "وحيد القرن". يحافظ العمل على ضوء ثابت لا يخفت، ويدعو إلى التأمل والسكينة واستشعار الجمال العابر الذي تنسجه الطبيعة في صمت بين اليابسة والماء.