fbpx
الصباح الثـــــــقافـي

“شيفرة دافنشي”… الكنيسة على المحك

رواية دان براون غيرت الكثير في أذهان المسيحيين وتحولت إلى عمل سينمائي ضخم

سنة 2003، خرجت إلى الوجود الأدبي رواية غيرت الكثير في أذهان المسيحيين. يتعلق الأمر ب”شيفرة دافنشي” للروائي الأمريكي العملاق دان براون، وهي الرواية التي أثارت ضجة كبرى وجدلا واسعا داخل الأوساط الكنسية والمسيحية عموما، خاصة بعد تحويلها سنة 2006 إلى عمل سينمائي ضخم لاقى نجاحا باهرا. تحكي الرواية عن مغامرات عالم الرموز الدينية روبرت لانغدون لكشف الأسرار المتعلقة ب”الكأس المقدسة” التي شرب منها المسيح في ليلة العشاء الأخير. وتبدأ أحداث القصة بمقتل أحد أمناء متحف “اللوفر” بباريس جاك سونير بطريقة غريبة إذ وجد جسده وقد تمت موضعته على شكل “الرجل البيروفي” الذي أبدعه الرسام العبقري ليوناردو دافنشي، مع وجود نجمة خماسية موشومة بدمه على صدره العاري ورمز مكتوب بالدم إلى جانب الجثة، وهو ما يستوجب حضور روبرت لانغدون لفك طلاسيم هذا الرمز وقراءة الرسالة الأخيرة التي أراد القتيل تركها بعد وفاته. هنا تلتحق بالمشهد صوفي نوفو، مصورة الشرطة وحفيدة سونيير القتيل، لتنطلق مع روبرت في مغامرة مشوقة ومثيرة، الهدف منها كشف اللغز الذي تركه جدها، غير أن الأمور تتعقد عندما طاردت الشرطة الفرنسية برئاسة الضابط بيزو فاشي لانغدون بعد أن نمت لديها قناعة بأنه متورط في الجريمة.
الجريمة ارتكبها شخص يسمى سيلاس يعمل لمصلحة منظمة حقيقية يوجد مقرها في نيويورك تسمى “أوبوس داي”، في إطار صراع مرير مع “أخوية سيون”، وهي بدورها منظمة سرية تدعي أنها الوحيدة التي تحوز أسرار المسيحية الدفينة، وذلك من أجل الوصول إلى مكان السر الأعظم “الكأس المقدسة”. وفي صراع ضد الزمن والرموز، يتقدم كل من صوفي وروبرت بخطى ثابتة لفك طلاسيم الألغاز المحيطة بالمسألة، إلى أن يتم اكتشاف مكان تلك الكأس من طرفهما وهي التي كانت طيلة الوقت أمامهما في متحف “اللوفر” مدفونة أسفل “الهرم المقلوب” هناك لتنتهي الرواية دون الإشارة إلى مصير الكأس وما إذا كانت حقا مخبأة هناك.
الرواية خطيرة. وأثارت كل ذلك اللغط لأنها وببساطة تضرب في الصميم أهم المسلمات المسيحية السائدة، وأبرزها “ألوهية” السيد المسيح وعدم إقدامه على الزواج أو ترك ذرية من بعده. فالكاتب يعتمد على ليوناردو دافنشي، والذي كان بدوره واحدا من المنتمين إلى “أخوية سيون” السرية التي تسعى إلى المحافظة على الأسرار والحقائق المسيحية الأولى، ففي لوحته الشهيرة المسماة “العشاء الأخير”، يرمي دافنشي بمجموعة من الأسرار والرموز من خلال الرسم للإشارة إلى الماهية الحقيقية للكأس المقدسة. ففي الرسم لا وجود لكأس واحدة، بل هناك ثلاث عشرة كأسا، أي بعدد الموجودين في الصورة. المسيح و12 من حوارييه، غير أن الذي يمعن النظر في الصورة حسب دان براون، سيكتشف أن الحواري الذي يوجد على يمين السيد المسيح ليس في الحقيقة ذكرا، فيده ناعمة وملامح وجهه أنعم، وهو ما يفيد هويته بلا جدل، فالأمر يتعلق بمريم المجدلية، زوجة السيد المسيح وأم أبنائه التي اضطهدها مجمع الحواريين وفي مقدمتهم أبو المسيحية الثاني الرسول بولس بغية الاستيلاء على زمام ورقاب المسيحيين والأتباع، وعدم ترك “الدين الجديد” في أيدي امرأة كانوا يصفونها بالساقطة… ودافنشي لا يريد من خلال هذه الرموز إلا القول إن الكأس المقدسة لا وجود لها لأنها رموز فقط للأنثى التي كانتها مريم المجدلية، زوجة المسيح التي نفت عنه الألوهية تماما.
يشار إلى أن الرواية ترجمت إلى 44 لغة وباعت 80 مليون نسخة، وهي الرواية الأكثر مبيعا بالإنجليزية في القرن الواحد والعشرين، وثاني أفضل رواية مبيعا بكل اللغات في القرن نفسه. أما الفيلم الذي تحولت إليه، فقد حقق أزيد من 758 مليون دولار في صالات العرض حول العالم، ومثلها من اللعنات في كل مكان بالكنيسة الكاثوليكية.

عبد الكريم القمش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى