دعوات إلى اعتماد منصة إلكترونية وطنية موحدة وتشديد العقوبات على شبكات الاحتيال الصحي تعتبر ظاهرة تزوير وفبركة الملفات والوثائق المرضية للحصول على تعويضات مالية عن مصاريف استشفاء لم تنجز فعليا، من أخطر أساليب النصب والاحتيال التي تستنزف صناديق التعاضد الاجتماعي وأنظمة التأمين الصحي، وتشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة للمواطنين،ما يطرح أسئلة ملحة حول مسؤولية المهنيين والمؤسسات المعنية في حماية النظام الصحي التضامني من عبث المزورين. ودق أطباء وصيادلة ناقوس الخطر عقب تزايد عمليات تفكيك شبكات إجرامية منظمة بعدد من المدن المغربية، تتقن التلاعب بالملفات الطبية عبر آليات تزوير متنوعة ودقيقة، من بينها إنجاز وصفات طبية مزورة تتضمن أدوية باهظة الثمن تكتب بأسماء وهمية، أو فبركة فواتير تحليلات طبية وفحوصات إشعاعية مأخوذة من ملفات مرضى فعليين دون علمهم لتبرير طلبات التعويض، أو استخدام كشوفات وظيفية لم تجر أصلا، وهي سلوكات احتيالية كبدت المؤسسات المعنية بحماية النظام الصحي التضامني خسائر مالية كبيرة، وراكمت أمولا في جيوب من قرروا أن يختصروا الطريق إلى الثروة عبر التلاعب بملفات المرضى. وذكر البقالي أحمد، صيدلي بطنجة، أن تزوير الملفات المرضية أصبح يشكل هاجسا حقيقيا للمهنيين، بعد أن ثبت تورط مسؤولين بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأطباء وعاملين بصيدليات في تزوير الوصفات الطبية للحصول على تعويضات غير مستحقة، مبرزا أن هذه الممارسات الإجرامية تحولت من احتيال فردي إلى نشاط منظم يضر بموارد الصناديق ويقوض ثقة المشتركين في منظومة التعاضد والتأمين. وقال البقالي في حديث مع "الصباح"، إن الثغرات الإدارية التي تسهل مأمورية هذه الشبكات تتلخص في التعامل اليدوي مع الوثائق، وغياب التحقق الإلكتروني الفوري من الوصفات والفواتير، بالإضافة إلى ضعف الربط بين قواعد بيانات المستشفيات والصيدليات والتعاضديات، وتداخل الأدوار بين وسطاء إداريين وعاملين في وكالات التعويض، الذين يجمعون الوثائق ويقدمونها للهيآت المعنية مقابل عمولة، وهي اختلالات سهلت على الشبكات المنظمة نهج السلوك الاحتيالي بأساليب التمويه والتضليل. ودعا المتحدث إلى تشديد المراقبة على كل الملفات الطبية والفواتير المقدمة، عبر اعتماد منصة إلكترونية وطنية موحدة تمكن من التحقق الفوري من كل الوثائق المعروضة،مع تشديد العقوبات على شبكات الاحتيال الصحي، من أجل حماية الصيادلة والأطباء الذين يجدون توقيعاتهم تتداول في السوق السوداء، وصون ثقة المواطنين في منظومة التأمين الصحي. من جانبه، أوضح أنوار الكلافي، محام بهيأة طنجة، أن تزوير الملفات المرضية واستعمالها للحصول على تعويضات مالية يشكلان في نظر القانون جريمة نصب واحتيال وتزوير في وثائق رسمية يعاقب عليها القانون الجنائي بعقوبات قد تصل إلى خمس سنوات سجنا نافذا وغرامات مالية ثقيلة، وفق ما تنص عليه الفصول 354و357 و361 من القانون الجنائي، بالإضافة إلى العقوبات التأديبية في حق كل موظف أو مهني يتواطأ أو يتستر على الأفعال. وأوضح الكلافي أن هذه الجريمة تأخذ طابعا مركبا لأنها تجمع بين عناصر التزوير واستعمال وثيقة مزورة والنصب على مؤسسات ذات طابع عمومي، موضحا أن من يقدم ملفا طبيا وهميا يكون قد أدلى عمدا ببيانات كاذبة بغرض تحقيق منفعة غير مشروعة، وهو سلوك يدخل ضمن دائرة "الاحتيال الممنهج" لا الخطأ الإداري. وأشار إلى أن القضاء المغربي بات يتعامل بصرامة مع هذا النوع من الملفات، بعد أن تبين أن وراء بعضها شبكات منظمة تضم منخرطين ومهنيين ووسطاء إداريين، ما يستدعي، حسب رأيه، تشديد المراقبة الإدارية وتوسيع التنسيق بين وزارتي الصحة والعدل وهيآت التأمين والتعاضد. المختار الرمشي (طنجة)