اتهمته خادمته بتخديرها واغتصابها بمنزله وتحاليل الحمض النووي أنهت الجدل تعد المنطقة الشمالية، من أكثر الجهات تسجيلا لحالات استغلال الخادمات، سواء في المدن الكبرى أو داخل الأحياء الراقية، حيث تختلط السلطة بالنفوذ الاجتماعي وتغيب آليات المراقبة، إذ في ظل الهشاشة الاقتصادية وصمت الضحايا، تتكرر القصص ذاتها بأسماء مختلفة، كان آخرها تلك التي هزت تطوان، حين وجهت أصابع الاتهام إلى ضابط ممتاز يشغل منصبا حساسا في سلك الأمن، بعد أن اتهمته خادمته باغتصابها والتسبب في حملها. وتفجرت هذه القضية، التي هزت مدينة الحمامة البيضاء، بعد أن تقدمت عاملة منزلية في عقدها الرابع بشكاية إلى الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف، تتهم فيها عميد شرطة ممتاز، مكلفا بمهمة التواصل والإعلام بولاية أمن المدينة، باغتصابها داخل منزله بعدما ناولها مادة مخدرة أفقدتها الوعي، وطالبت بفتح تحقيق في الواقعة، غير أنها، تحت ضغوط مورست عليها من أطراف مختلفة، فضلت سحب الشكاية طمعا في طي الملف وتجنب الفضيحة، خاصة أنها تتحدر من وسط محافظ، وتخاف من ردة فعل أقاربها غير محسوبة العواقب. لكن المفاجأة جاءت بعد أسابيع، حين اكتشفت الضحية، التي كانت تشتغل بمنزل الضابط بصفة اعتيادية مقابل أجر شهري تعيل به أسرتها، (اكتشفت) أنها حامل، لتجد نفسها أمام مأزق جديد زاد من معاناتها النفسية والاجتماعية، سيما بعدما انقطع المسؤول الأمني عن التواصل معها، وعلمت أنه انتقل من تطوان إلى طنجة، لتضطر إلى إخبار أسرتها التي بادرت إلى الاتصال بجمعية حقوقية محلية لمؤازرتها، قبل أن تتقدم من جديد بشكاية ثانية لدى النيابة العامة، مطالبة بفتح تحقيق شامل في القضية ومتابعة الجاني. إثره باشرت النيابة العامة أبحاثها في الموضوع، معتبرة أن قضايا الاغتصاب من جرائم الحق العام التي لا تسقط بالتنازل، فتم الاستماع إلى المشتكى به الذي أنكر كل الاتهامات الموجهة إليه، مؤكدا أن العلاقة المزعومة لم تقع أصلا، لتأمر النيابة بإجراء تحاليل الحمض النووي، قصد التحقق من نسب المولود، فجاءت النتائج صادمة أكدت تطابق النسب بين الطفل والمسؤول الأمني، ما دفع الوكيل العام إلى إحالة الملف على قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بالمدينة، الذي أصدر أمرا بإيداع المتهم رهن الاعتقال الاحتياطي بالسجن المحلي “الصومال”، في انتظار مثوله أمام غرفة الجنايات الابتدائية بتهم الاغتصاب والفساد الناتج عنه افتضاض بكارة وحمل. وأمام خطورة الاتهامات التي وجهت إلى أحد كبار مسؤوليها، أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني بلاغا تؤكد فيه أنها تتابع الملف عن كثب، وأنها بعد مراجعة السجلات والمعطيات المتوفرة لدى ولاية أمن تطوان، قررت إعفاء المعني مؤقتا من مهامه، في انتظار ما ستسفر عنه المسطرة القضائية. وأوضحت أن هذا القرار يأتي في إطار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة أن القضية تتعلق بجريمة من جرائم الحق العام التي تمس بصورة المؤسسة الأمنية وثقة المواطنين فيها، مشددة على أن أي تجاوز من هذا النوع يسيء إلى قيم الانضباط والنزاهة التي يقوم عليها جهاز الأمن الوطني. ورغم ما أثارته هذه القضية من ضجة واسعة في الأوساط الحقوقية والإعلامية، فإن مسارها القضائي ظل يلفه الغموض، بعدما راج أن الملف لم يعرض على أنظار المحكمة، إثر تنازل الضحية مرة أخرى عن حقوقها بعد اعتراف المتهم بخطيئته وإبرامه عقد زواج منها، وتبنيه للمولود الذي أثبتت التحاليل نسبه إليه. وبذلك أسدل الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للرأي العام في المنطقة، في نهاية وصفت بالمصالحة الصامتة بين الجاني والضحية، لكنها تركت وراءها أسئلة مؤرقة حول حدود الإنصاف حين يتعلق الأمر بنساء في أوضاع هشة، يجدن أنفسهن بين قوة النفوذ وضعف الحماية القانونية والاجتماعية. المختار الرمشي (طنجة)