نافذون ماليا واجتماعيا "يعتقلون" فروعا جهوية ويستمدون قوتهم من إضعاف أحزابهم يتبوأ الأعيان مكانة الصدارة في اتخاذ القرارات وحسم الصراعات داخل معظم الأحزاب الكبرى، خاصة تلك التي لا تنطلق من مرجعية فكرية واضحة، ترجح كفة المبادئ على كفة السلطة المالية والرمزية. وتجد مجموعة من الأحزاب نفسها رهينة هوى بعض الأعيان، بسبب حاجتها الماسة لهم، في وقت لم تعد فيه قادرة على إغراء المزيد من المواطنين بخطابها، ولا تستطيع مشاريعها استمالة المثقفين وأصحاب رؤوس الأموال، الذين يمولون أنشطتها دون التدخل السافر في قرارات القيادة السياسية. وسقطت بعض الأحزاب في فخ الأعيان، إلى درجة أصبحت فيه مؤسسة الفرد أقوى من مؤسسة الحزب، إذ تضطر القيادة السياسية إلى الانحناء للعاصفة في وقت الخلافات، خوفا من فقدان بعض الأعيان، الذين يعتبرون خزانا انتخابيا وشعبيا، يعد فقدانه خسارة فادحة للحزب. وهناك من الأعيان من يسيطرون على جهات بأكملها، ويقررون فيها بالطريقة التي تحلو لهم، ولا ينضبطون إلى قرارات المركز، الذي يجد نفسه في أحسن الأحوال مضطرا للتفاوض وتقديم تنازلات وإغراءات تفاديا للتصادم. ويستمد هولاء الأعيان الذين يسيطرون على الجهات والأقاليم وأحيانا مناطق شاسعة من التراب الوطني، التي توجد فيها تمثيلية بعض الأحزاب، نفوذهم من قوتهم المالية، وقدرتهم على كسب الناخبين الصغار من مستشارين ونواب، ويضمنون ولاءهم بسبب مساعدتهم على النمو سياسيا واجتماعيا، باستغلال قربهم من الأعيان، أصحاب النفوذ المالي والأسري والعلائقي، سواء مع السلطة أو القوى التقليدية بالجهات والأقاليم. ويهدد بعض الأعيان سلطة الأمناء العامين وزعماء الأحزاب، عندما يقضون سنوات في تعزيز نفوذهم ومراكزهم، ويربطون شبكة علاقات متشابكة، ويصبح مستقبل الحزب في تلك المناطق مرتبطا بهم، إذ بانسحابهم يفقد الحزب كل إرثه في تلك المناطق، ما يضع القيادة السياسية في حرج حتى مع أعضاء المكاتب التنفيذية، التي يمكن أن تتهم الأمين العام بتصفية الحزب وتقزيمه وخسارة عناصر مهمة وقاعدة انتخابية أهم. وشهدت مجموعة من التجارب الحزبية هذه الصراعات، خاصة بعدما تقوى نفوذ بعض الأعيان داخلها، وأصبحوا يقومون بإنزالات في المؤتمرات الوطنية، وفي التجمعات الخطابية، ما يحولهم إلى شبح يضعف الحزب أكثر مما يقويه. وهناك فئة أخرى لا تتوفر على حاضنة اجتماعية كبيرة أو شبكة علاقاتها، لكنها تستمد قوتها من المال أو من القرب من السلطة، وتساهم بشكل كبير في تمويل لقاءات الحزب ومؤتمراته الوطنية، خاصة أن العمل السياسي أصبح فيه المال عملة رائجة، ويصعب مقارعة الخصوم بدون ميزانية كبيرة، سواء في تنظيم اللقاءات أو الحملات الانتخابية وتمويل بعض المشاريع والمبادرات أو العمل الخيري، ما يجعل بعض الأحزاب تحت رحمة الأعيان. عصام الناصيري