بقلم: الفاضل الرقيبي في مخيمات تندوف، التي طال وجودها على هامش التاريخ والجغرافيا، وخارج منطق التطور الطبيعي للتجارب الإنسانية، يتضح أن مشروع العزل الطويل وإعادة تشكيل الوعي عبر مناهج الفكر الوحيد، الذي صاغته عقول عسكر بن عكنون، وسهرت على تنزيله عصابة الرابوني، لم ينتج، كما كان منتظرا، مجتمعا قابلا للضبط والانصياع وقبول الأفكار بسلبية دون مساءلتها ومواجهتها. وحيث إن الواقع اليومي بهذه المخيمات، يكشف منظومة تقوم على تدوير خطاب ثابت، وتحويل المعاناة إلى مادة سياسية، مع غياب مسارات للبناء البشري الطبيعي والسليم، فقد كانت تنشئة أجيال على الكراهية داخل بيئة مغلقة، وتقييد للحركة في ظل ظروف بؤس مزمنة، ووصاية على الرأي والفكرة الحرة، منهجا أفرز وعيا عنيفا رافضا لأبويات "بوليساريو" وعرابيها بالجزائر، والذين لطالما نظروا للصحراويين مادة لمشروعهم السياسي العقيم. لقد بنيت في المخيمات، على امتداد عقود، منظومة تنشئة مدرسية وإعلامية تعيد إنتاج رواية واحدة: شحن عاطفي منظم ضد "عدو مفترض" اسمه المغرب، مقرون بتصنيف تبسيطي للواقع، وإقصاء لأي معلومة تناقض السردية الانفصالية. لكن حصيلة هذا الاستثمار الطويل في فصول الشحن على الكراهية جاءت عكس المقصود؛ فالشباب اليوم يقارنون مباشرة بين ما يقال لهم وما يرونه عند أقاربهم وأقرانهم في العيون والسمارة وبوجدور والداخلة، حيث القرارات تصنع داخل مجالس تمثيلية، تضم أطيافا من الألوان السياسية، انتخبها الصحراويون، لا خارجها، وبرامج تكوين وفرص عمل ومبادرات اقتصادية واجتماعية ورياضية يشارك في صياغتها السكان، ومردودها ملموس على الخدمات والبنية التحتية. هذه المقارنة اليومية تسقط تلقائيا عن المغرب صورة "العدو"، لأنها تضع أمام العين نموذجا عمليا لإدارة الشأن العام، داخل إطار مؤسساتي واضح من داخل نسق الدولة الوطن، مقابل واقع المخيمات الذي لا يقدم سوى إعادة تدوير للحرمان وتقييد للحركة ووصاية سياسية وأمنية مستمرة من داخل نسق العصابة. وهنا ينقلب أثر التنشئة على صانعيها في الرابوني، ومن خلفهم من أجهزة التنسيق العسكرية الجزائرية. فحين تستنزف السنوات في خطاب التحريض دون نتائج قابلة للقياس في التعليم والعمل والكرامة الفردية، يصبح السؤال موجها نحو القائمين على الخطاب لا نحو "الخصم المصطنع"، الذي يحقق مكاسب فعلية لمواطنيه بأقاليمه الجنوبية. ويتفاقم التصدع النفسي عندما يعي الشاب أن المخيمات تعيش فقرا بنيويا على بعد كيلومترات قليلة من أحد أغنى حقول النفط الجزائرية في المنطقة، دون أن ينعكس ذلك على خدماته أو أفقه. بهذه المعطيات، يتبدى فشل مشروع التنشئة على الكراهية فشلا وظيفيا لا أخلاقيا فقط، لأنه لم يرسخ صورة "المغرب العدو" في الوعي، بل رسخ الشك في جدوى الركض وراء السراب والاستمرار على أرض لحمادة، وحرر مساحة متزايدة لتفضيل خيارات العودة لحضن الوطن الجامع، على حساب شعارات الانفصال المعطوبة. لقد فشلت منظومة العسكر في الجزائر في استدامة مشروعها الوهمي، وفي تطويع الصحراويين وتسخيرهم لخدمة أجندتها، لأنها تعاملت معهم بوصفهم مادة قابلة للتوظيف في حسابات جيوسياسية ضيقة الأفق. فحين يوضع الناس داخل مختبر تجارب سياسية وأمنية، حيث تدار الحركة ويحتكر القرار وتعاد صياغة الوعي عبر رواية واحدة، تكون النتيجة الحتمية هي تحول الصحراويين بالمخيمات إلى كتلة اعتراض صامتة ثم صريحة، تبحث عن بدائل تضمن العيش الكريم، لا عن شعارات قابلة للتدوير. ومع اتساع قنوات الاتصال، وتنامي ممكنات المقارنة، وانفتاح أجيال الشباب بالمخيمات على الحقيقة خارج دوائر الضبط الإعلامي التابعة لـ "بوليساريو"، يتراجع تأثير الخطاب التعبوي في أوساط مجموعة بشرية تقيس جدوى أي فكرة، بما تتيحه من عيش كريم أو فرص الانعتاق من التحكم والتنكيل والإجهاز على الحقوق. هذا القياس اليومي، لا الحشد من أجل الوهم، هو ما نسف فعليا أي التفاف حول الفكرة الانفصالية داخل المخيمات، وجعل الفكرة نفسها عنوانا لاستعباد مجموعة بشرية على أرض الحمادة، بينما في المقابل، تقدم الأقاليم الجنوبية للمغرب نموذجا واقعيا للنجاح في خدمة كرامة الصحراويين دون تمييز أو تقييد للحقوق، أو استعمال للبشر في مسارح الجيوسياسة الجزائرية العبثية..