غياب الإرادة كشفت نجاة بوعليل، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، عن الأسباب العميقة وراء الفشل في محاربة الفساد، معتبرة أن المشكل لا يكمن في غياب القوانين أو الأجهزة الرقابية، بل في غياب الإرادة الحقيقية والرغبة الجادة في تطبيقها على الجميع دون استثناء، وأكدت أن العديد من المسؤولين الذين يفترض أن يكونوا في الصفوف الأمامية لمواجهة الفساد، هم أنفسهم من يستفيدون منه، مما يجعل منظومة المحاسبة والشفافية مجرد شعارات لا تجد طريقها إلى الواقع. وأضافت بوعليل أن القوانين موجودة، لكنها لا تطبق إلا على الضعفاء، بينما يظل الأقوياء فوق المساءلة، وهو ما يكرس الإحساس بانعدام العدالة والمساواة أمام القانون، كما أشارت إلى أن مظاهر الرشوة والمحسوبية أصبحت في نظر فئات واسعة من المواطنين أمرا عاديا ومقبولا لتسهيل قضاء المصالح، مما زاد من ترسيخ ثقافة الفساد في الحياة اليومية. وختمت بقولها إن الكفاءة والجدارة لم تعودا معيارين رئيسيين في الحصول على العمل أو الترقية، إذ باتت العلاقات الشخصية والوساطات هي الطريق الأقصر لتحقيق المصالح، في ظل غياب الشفافية والمحاسبة الحقيقية. نجاة بوعليل (أستاذة باحثة) نتاج منظومة أكدت بشرى أعراب، دكتورة في علوم الإعلام والتواصل،أن الفساد ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل نتاج منظومة اجتماعية واقتصادية تتداخل فيها المصالح والعلاقات، ويترسخ بسبب غياب قيم النزاهة والشفافية والضمير المهني. وأضافت أن الفساد يؤثر سلبا على العدالة والمساواة ويضعف الثقة بين المواطن والمؤسسات، مما يوسع الهوة الاجتماعية ويؤخر مسار الإصلاح. وشددت أعراب على أن مواجهة الفساد تبدأ من التنشئة الاجتماعية، داخل الأسرة أولا، ثم في المدرسة، حيث ينبغي غرس قيم الأمانة والمسؤولية واحترام القانون منذ الصغر، كما دعت إلى إدماج موضوع محاربة الفساد في المناهج التعليمية بشكل واضح، حتى تنشأ الأجيال الجديدة على ثقافة النزاهة والشفافية. وأوضحت أن الرقمنة يمكن أن تشكل سلاحا فعالا في مواجهة الفساد، من خلال تعزيز الشفافية وتسهيل التواصل بين المواطنين والإدارات العمومية، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى أداة لتبرير الممارسات الفاسدة أو نشر معلومات مضللة إذا غاب الوعي الرقمي. وختمت الباحثة حديثها بالتأكيد على أن القضاء على الفساد يبدأ من داخل الفرد، من ضميره وإحساسه بالمسؤولية، لأن القوانين وحدها لا تكفي إذا غابت الأخلاق، ولأن الإصلاح الحقيقي لا يقوم إلا على أساس من القيم والمبادئ التي تجعل من النزاهة سلوكا يوميا قبل أن تكون مجرد شعار. بشرى أعراب (دكتورة في الإعلام والتواصل) استقاهما: عبد الجليل شاهي (أكادير) إرادة غائبة لم نفشل في محاربة الفساد لأننا لا نعرف طريق الإصلاح، بل لأننا لم نمتلك الإرادة السياسية الكافية للذهاب إلى النهاية. فمحاربة الفساد لا تتحقق بالشعارات ولا بالحملات الموسمية، بل بإصلاح شامل يبدأ من المؤسسات ويصل إلى الذهنيات. نحن بحاجة إلى ثورة في الحكامة تقوم على الشفافية والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا على ثقافة الإفلات من العقاب. الفساد في بلادنا تحول إلى منظومة متكاملة تداخل فيها المال بالسياسة، والمصلحة الشخصية بالمنصب العام، فأصبحت شبكات النفوذ أقوى من آليات الرقابة، وأصبحت الصفقات المشبوهة تمر تحت غطاء القانون. وحين تغيب المحاسبة، يتحول الفساد إلى أسلوب تسيير، وتصبح الكفاءة آخر ما يكافأ عليه، حيث ظل الإصلاح جزئيا وانتقائيا، لأن من يضعون القوانين هم أنفسهم من يتحايلون عليها، ولأن المؤسسات الوسيطة كالمجالس المنتخبة والهيآت الرقابية فقدت ثقة المواطن فيها. إن محاربة الفساد تتطلب استقلالاحقيقيا للقضاء، وجرأة في فتح الملفات الكبرى دون انتقائية، لأن المعركة ضد الفساد ليست فقط مسؤولية الدولة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله يطالب بحقوقه ويصمت عن واجباته، إذ لا يمكننا محاربة الفساد بعقلية التسامح مع الخطأ، بل بإرادة تصون العدالة، وتعيد الثقة في أن القانون فوق الجميع. رشيد كلو (فاعل نقابي وسياسي بطنجة) ضمير مستسلم فشلنا في محاربة الفساد لأننا جعلناه جزءا من حياتنا اليومية، حتى صار سلوكا عاديا لا يثير فينا الاشمئزاز، بحيث لم نعد نستغرب حين نسمع عن فضيحة أو اختلاس، لأن الضمير الجمعي تبلد، والإحساس بالمسؤولية تراجع، ولم يعد الفساد يمارس فقط في الخفاء، بل في العلن، بل وأصبح أحيانا معيارا للنجاح الاجتماعي. الفساد يبدأ من تفاصيل صغيرة: من أب يدفع ليقبل ابنه في وظيفة، أو من موظف يستغل منصبه لتقديم خدمة لمن يعرفه قبل غيره، أو من تاجر يتهرب من الضرائب متذرعا بضعف الدولة، والجميع يمارس ذلك دون خجل.فالمشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب القيم التي تجعلنا نرفض الكسب غير المشروع ونؤمن بأن المصلحة العامة فوق كل اعتبار. لقد تربى جيل كامل على منطق "دبر راسك"، وكأن الفساد حيلة ذكية لا جريمة أخلاقية، لذا يجب أن يبدأ الإصلاح الحقيقي بقول "لا للفساد"، مهما كانت المبررات. عندها فقط يمكن أن نبدأ طريقا جديدا نحو وطن نقي من الفساد، يقوم على النزاهة والعدل والكرامة، ويستعيد فيه المواطن ثقته في أن الجهد الشريف هو السبيل الوحيد للنجاح. نادية كطابي (فاعلة جمعوية بالقصر الكبير) استقاهما: المختار الرمشي (طنجة)