تقارير رسمية وحقوقية ومدنية تكشف الزوايا المظلمة لقطاع تنخره الاختلالات والفضائح ترسم عدد من التقارير الرسمية، أو الصادرة عن هيآت حقوقية ونقابية ومدنية، صورة قاتمة عن واقع القطاع الصحي بالمغرب، الذي يعيش، حسب معديها، على وقع فساد مستشر ورشوة ممنهجة وإهمال متواصل، جعلته من أكثر القطاعات هشاشة وتأزما، رغم أهميته القصوى في حياة المواطنين. وأكد تقرير صادر عن الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة، في يوليوز الماضي، أن الدولة تخصص للقطاع الصحي ميزانية مهمة تمثل حوالي 2 في المائة من الناتج الوطني الخام و5 في المائة من الميزانية العامة للدولة، أي ما يعادل 18 مليار درهم في 2020، ووصلت في 2025 إلى أكثر من 36 مليار درهم، تمول في أغلبها من ضرائب المواطنين، إلى جانب الدعم الدولي الذي توفره مؤسسات، مثل منظمة الصحة العالمية لبرامج مكافحة السل والسيدا وصحة الأم والطفل وتطوير الكفاءات. ورغم هذا التمويل الكبير، فإن الخدمات الصحية العمومية تعاني ضعفا شديدا وتدهورا واضحا، نتيجة ما وصفه التقرير بـ"الفساد المالي والإداري" الذي يلتهم جزءا كبيرا من الموارد. وأضاف أن تقارير الرقابة غالبا ما تحمل صغار الموظفين تهمة الرشوة البسيطة، بينما تتغاضى عن الفساد الحقيقي المرتبط بالصفقات الكبرى للأدوية والمعدات والتجهيزات الطبية والمشاريع الاستشفائية. وكشف التقرير عن سلسلة من الفضائح التي تبرز عمق الاختلالات داخل المنظومة الصحية، أعطى مثالا على ذلك، بمستشفى تمارة الذي لم يفتح أبوابه منذ تدشينه قبل عشر سنوات، بعدما تضاعفت كلفته أربع مرات عن المبلغ المقرر للبناء، في ظل غياب تام للمحاسبة. كما تناول التقرير فضيحة صفقة الأجهزة الطبية القديمة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي بيعت على أنها جديدة، رغم أنها معدات "خردة" تمت صباغتها لتبدو حديثة، بينما حصلت الشركة المتورطة على مستحقاتها كاملة. وتحدث التقرير أيضا عن صفقة المستشفى المتنقل الذي كلف ميزانية وزارة الصحة حوالي 10 ملايير سنتيم، لكنه ما يزال مركونا في مرأب الوزارة، بدل أن يخصص لخدمة سكان المناطق النائية المحاصرة بالثلوج والبرد، إضافة إلى صفقات سيارات الإسعاف الفاخرة التي وصل ثمن الواحدة منها إلى 340 مليون سنتيم، وتستعمل فقط في تغطية المهرجانات الكبرى، بدل خدمة المواطنين. وتطرق التقرير إلى مظاهر التلاعب في صفقات التغذية داخل المستشفيات، وخاصة بمستشفى الأطفال والولادة بالرباط، إذ وصف الوضع بغير الإنساني، بسبب تدني جودة الوجبات الغذائية المقدمة للأطفال المرضى، في وقت تعتبر التغذية جزءا أساسيا من العلاج، كما أشار إلى فرض رسوم غير قانونية على مرضى السل رغم مجانية العلاج، وانتشار العدوى داخل المستشفيات، بسبب ضعف التعقيم وغياب وسائل الوقاية. وأكد التقرير أن مظاهر الفساد تجاوزت القطاع العمومي لتطول بعض المصحات الخاصة التي تستغل غياب الرقابة، من خلال تقديم أدوية منتهية الصلاحية أو إجراء عمليات جراحية غير ضرورية لزيادة الأرباح، إلى جانب التلاعب في الفواتير وفرض شيكات ضمان ومبالغ خيالية تفوق الأسعار الأوربية. كما لفت الانتباه إلى وجود ممارسات "غير أخلاقية" كتحويل المرضى من القطاع العام إلى المصحات الخاصة مقابل عمولات، أو استعمال تجهيزات عمومية في مؤسسات خاصة. يوسف الساكت