الكاتب والروائي شعيب حليفي قال إن حراك الشباب علامة صحية قال الكاتب والروائي شعيب حليفي إن حراك حركة "جيل زيد" مؤشر على أنه دائما هناك خميرة للمقاومة متجذرة ومتجددة فينا، وهذه الدينامية علامة على أن فينا حياة يجب أن تستمر، كما تحدث الأكاديمي والأستاذ الجامعي عن دور المثقفين وسط الحراك وعن المواكبة الأدبية للانتفاضات الشعبية عبر تاريخ المغرب، وأشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي: أجرى الحوار: عزيز المجدوب ـ تصوير(أحمد جرفي) أين ترى وضع المثقف مما يجري من أحداث وحراك "جيل زيد"؟ وأين تضعه ضمن سيرورة الانتفاضات الشعبية التي عاشها المغرب المعاصر؟ المثقف المغربي ليس استثناء من صورة المثقف الإنسان، لكنه يجد نفسه مطالبا بالانخراط في أحداث وقضايا قومه وبلده، وهذا ما درجنا عليه في صورة المثقف المغربي، إذ ترسخت لدينا عبر عقود صورته خلال السبعينات باعتبارها الصورة المثلى التي تمثلتها أجيال، رغم ما يشاع خلال العقود الأخيرة، وتحديدا خلال الألفية الثالثة، من أن المثقف المغربي قدم استقالته وتراجع بعض الشيء، ولا أعتقد أن هذا صحيح، لأن المثقف يكتب ويلاحظ، والحكَم بيننا هو ما يكتب، وأرى بأن كثيرا مما يكتبه المثقف المغربي في كل المجالات (رواية وشعر وفكر...) مرتبط بقضايا فكرية ومجتمعية. ماذا عن الحراك الأخير؟ أعتقد أن ما وقع في الأحداث الأخيرة، المرتبطة بحراك "جيل زيد"، لا ينفصل عن كل الانتفاضات التي عرفتها وقرأت عنها أو عايشتها في تاريخ المغرب، إنها الانتفاضات التي كان، ومازال، أصلها شبابا، ويمكن أن أبدأ معك مما عشته أو عاشه أجدادي وشاركوا فيه، لقد كانوا شبابا حينما شاركوا في انتفاضة الشاوية لسنة 1907 في مواجهة الأطماع الاستعمارية، كما أن كل الانتفاضات التي كانت ضد المستعمر، في ما بعد، تزعمها شباب وكانوا يسمون أيضا "الدراري" بمن فيهم رجال كبار من الحركة الوطنية أو حركة المقاومة، وكان معظمهم دون العشرين، بل إن شخصية مثل المهدي بن بركة الذي طبع تاريخ النضال والحراك لم يكن سنه يتجاوز الخامسة والأربعين لحظة اختطافه ووفاته، وقضى حياته وشبابه مقاوما ومناضلا ومنظّرا. ما هو موقع الشباب في هذا الحراك؟ يمثل الشباب في هذا الحراك جيل القوة، وينبغي أن نستمع له، دون الانسياق وراء ما يشاع عنه، لأن الكثير من أحكام القيمة باتت تؤطر عالمنا، ودور المثقف هو أن يتجاوز أحكام القيمة، ويحلل ويربط بين الأشياء، لهذا أقول إن السياق الذي جاء فيه هذا الحراك سياق طبيعي وضروري، خاصة أنه خلال السنوات الأخيرة، وتحديدا بعد جائحة كورونا، كنت أعتقد أن هناك استسلاما عاما لدى المغاربة، سيما بعد الكثير من الضربات التي تتالت واستهدفت القدرة الشرائية وحرية التعبير، وأشياء أخرى عشناها في المجال الثقافي من منع وتضييق، جعلت الاعتقاد يترسخ بأن الاستسلام هو سيد الموقف، وأن المثقف هو آخر من يقاوم. مع هذا الحراك اكتشفت أنه دائما هناك خميرة للمقاومة متجذرة ومتجددة فينا، وهذه الدينامية علامة على أن فينا شعلة حياة يجب أن تستمر، بمختلف التقييمات بمطالب ما وقع وما سيقع، وكل ما حصل كان مؤشرا على أعطاب لا تقتصر على الصحة والتعليم فقط، بل أيضا في القيم والتدبير العادي للمجتمع، وهناك علامات يجب أن ننتبه إليها وأن نتوقف عندها وهي أن الأشياء الإيجابية والجميلة في بلدنا لا تتعارض مع روح المقاومة التي يجب أن تظل في هذا الشباب، لأنه علامة على أن هذا الجيل ليس جيل ضباع كما يروج له، أو أتلفه الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وقد استمعت إلى الكثير منهم عبر هذه الوسائط واكتشفت أن لديهم قدرة على التحليل والإمساك بعناصر الفهم العقلاني. في تقديرك هل كانت مؤشرات الحراك بادية لك مثقفا مواكبا لما هو مجتمعي؟ كانت بادية، لكن ما كان محيرا هو ذلك الصمت والاستسلام أمام التحولات المتسارعة التي ضربت القدرة الشرائية، وكنت أرتاب أمام هذا الصمت، وفي الوقت نفسه أتساءل باعتباري منخرطا ومتتبعا، أمام تجاهل الدولة والحكومة اللتين تفتقدان إلى قرون استشعار لدرجة أن هذه الحكومة لم تكن تتفاعل مع ما يحدث بل تضغط على الشعب كما لو أنها تدفع في اتجاه انفجار معين، وهو ما حدث، لأن استهداف نقط حساسة في هدم آمال الشباب وأحلامهم والمس بقدراتهم الشرائية. كان لا بد أن تكون لدى الحكومة قرون استشعار لإدراك أن هناك حراكا يغلي في الباطن، إذ كان المسؤولون يعتقدون أن الأحزاب العاجزة لم تعد لها القدرة على تحريك شيء فاطمأنوا، وهو غباء سياسي ملحوظ، لكن المفاجأة جاءت من خارج هذه الأحزاب إذ الأصعب هو غير المنظم الذي يمكن أن تخشى منه. لكن مع ذلك فهذا الحراك الشبابي تبين أنه حتى ولو لم يكن منظما حزبيا، إلا أنه يتمتع بحس حضاري ومدني ولا يجنح إلى الفوضى إلا في حالات محدودة وتحت الضغط والاستفزاز، لأن هـؤلاء الشباب ينتمون إلى الأسر المغربية، ويلاحظون حجم الحصار الذي يعيشه الآباء وأرباب الأسر، فالأطفال واليافعون هم أكثر الناس انتباها لما يجري، فالطفل أو المراهق الذي يطالب بتحسين العيش ليس هو الذي "يصرف" في البيت لكنه يتكلم باسم الأب أو رب الأسرة، لا يعبر عن نفسه فقط بل عن باقي الأجيال. كيف تتوقع وتستشرف مصير هذا الحراك؟ الحراك الشبابي مستمر بأشكال مختلفة بحكم الواقع والضرورات وهو حالة صحية، أما في ما يتعلق بما يجري، فالحكمة تقتضي الإنصات لنبض الشارع والفئات السنية التي تقود هذا الحراك، وتتدخل الدولة لإصلاح القطاعات المعنية به، وأعتقد أن هذه السنة يمكن أن تكون هناك بعض الأشياء في ما هو اجتماعي، وينبغي إعادة النظر في من تسبب في هذا الحراك، فنحن من صوتنا عليهم، وحتى لو لم نصوت عليهم فإنهم بصمتنا مروا، والحراك الحقيقي يجب أن يكون قبل الانتخابات وأثناءها، ويتمحور السؤال حول "على من نصوت؟" ونحاسب من صوتنا عليه بوعي. علينا نحن كمجتمع أن نقول كلمتنا في الانتخابات إذا أردنا حكومة قوية، ونقولها من داخل الأحزاب لقطع الطريق على موجة الأعيان و"صحاب الشكارة" الذين سيطروا على المجالس المنتخبة والمؤسسات النيابية. قبل سنوات (مارس 2022) انخرطت في مبادرة احتجاجية للمثقفين ما هي أبعادها؟ أول حركة احتجاجية للمثقفين نفذناها كانت في فبراير 2010 ضد وزارة الثقافة التي كان على رأسها آنذاك بنسالم حميش، وكانت حركة مهمة لاقت انسحاب كثير من المثقفين من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، واستمرت في محطات أخرى في 2015 و2016 ثم 2017، إلى 2022، وتشكلت من خلالها شبكة كبيرة من المثقفين من جيلنا ومن جيل الشباب، ما يبرز أن روح المقاومة ما زالت مستمرة، وعشنا هذا في العديد من المحطات في أنشطتنا الثقافية عبر ربوع المغرب، إذ تجد لدى هؤلاء المثقفين حماسا كبيرا ووعيا بالمجتمع وربط الثقافة بقضايا التنمية، انطلاقا من اعتقاد راسخ بأن الثقافة ليست شيئا نخبويا ولا نوعا من الترف، وهو ما انعكس في محطات من قبيل معرض الكتاب المستعمل الذي شكل محطة شعبية للكتاب والقراء بما يتخلله من أنشطة ثقافية على امتداد 13 دورة، فضلا عن أنشطتنا في السرديات الجهوية التي تحط الرحال بالقرى والبوادي، وتبحث عن النصوص القصصية والروائية والتراث الشفوي والتاريخ المنسي. على امتداد الانتفاضات الشعبية في المغرب المعاصر الملاحظ أن أغلبها تمت بخلفيات سياسية أو قادها سياسيون، لكن منذ 20 فبراير وما بعدها تحرر الحراك من السياسيين بل توجه في بعض الأحيان ضدهم... وصلنا إلى هذه الحالة بسبب تخريب الأحزاب من الداخل وهذا هو المصير والنتيجة الحتمية لكل هذا، فالأحزاب التي تتلقى الدعم من الدولة من أجل تأطير المجتمع والأفراد، لم تنجح في ذلك، لا أحد الآن يثق في الأحزاب، وفئة عريضة من الشباب لا تثق فيها، لذا فالإصلاح يجب أن يتم من داخل هذه الأحزاب حتى تسترجع مصداقيتها وتتخلص من قيم الانتهازية والوصولية التي تحكمت في بعضها، وهذه الظاهرة لا تقتصر فقط على المغرب، بل هي الآن موجودة في عدد من الدول، إذ أن الكثير من الانتفاضات والحركات الاحتجاجية والاجتماعية ذات وعي يساري يحمل أحلام التغيير. الملاحظ أن المواكبة الأدبية للانتفاضات، عبر تاريخ المغرب، إذا استثنينا الكتابات السجنية وهي تجارب ذاتية، لم تتم بالشكل الكافي.. ما تعليقك؟ هذا سؤال كبير، ويجب أن نواجهــــــه بدون تشنج أو حساسية، فعندما أعود إلى الأدب المغربي، على الأقل منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، وأقرأ الأحداث الموازية التي كانت فيه، نجد أن الرواية اجتهدت في أن تكون فنية وتجريبية وغير ذلك من الأشكال التي تلاحق الموضة الأدبية، وهناك روايات عالجت مواضيع عادية في المجتمع، وهناك نصوص أخرى حاولت أن تلامس هذه الأبعاد الساخنة، لكن في المقابل معظم النصوص كانت بعيدة عما كان يجري، مثلا أحداث الريف نهاية الخمسينات، وما وقع في الستينات والسبعينات وأحداث مولاي بوعزة، لا توجد نصوص كبيرة وقوية كتبها مبدعون كبار باستثناء قلة قليلة خلال السنوات الأخيرة مثل عبد الكريم الجويطي ويوسف فاضل وسعيد بنسعيد العلوي، عدا ذلك لا نجد من لامس الأحداث والانتفاضات الكبرى بما فيها 20 فبراير هناك نصوص قليلة جدا لا ترقى للمستوى الذي يجعل منها نصا قويا. في سطور < من مواليد سطات < ـحاصل على دكتوراه الدولة حول موضوع "الرحلة في الأدب العربي، التجنس، آليات الكتابة، خطاب المتخيل" سنة 1999 < يشتغل منذ 1989 أستاذا جامعيا بالدار البيضاء، يدرس مواد الرواية والسرد القديم والمناهج الأدبية، ويشغل مهام رئيس مختبر السرديات بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالبيضاء. < صدرت له مؤلفات من بينها: "الرحلة في الأدب العربي"، و"شعرية الرواية الفانتاستيكية"، و"هوية العلامات في العتبات وبناء التأويل – دراسات في الرواية العربية". < من أعماله الروائية "مساء الشوق" (1992) و"زمن الشاوية" (1994) و"رائحة الجنة" (1996) و"مجازفات البيزنطي" (2006) و"أنا أيضا: تخمينات مهملة" (2011) إضافة إلى نص"لا أحد يستطيع القفز فوق ظله". و"لا تنس ما تقول" الذي حاز به جائزة المغرب للكتاب ثم "خط الزناتي". < ساهم شعيب حليفي في مجموعة من الدراسات والكتب الجماعية في مواضيع "الشاوية : التاريخ والمجال"، و"المقاومة الوطنية في الشاوية" و"المذاكرة والتصدي الشعبي للاستعمار الفرنسي". < ساهم في تأسيس عدد من المجلات والجرائد والجمعيات الثقافية، كما تحمل المسؤولية والإشراف على مجلة "الرهان الآخر".