غالي "عراب" ينسق بين شبكات التهريب والابتزاز والاختطاف بقلم: الفاضل الرقيبي لم يكن ما يجري، اليوم، في مخيمات تندوف مفاجئا إلا لمن أراد أن يخدع طويلا بشعارات صدئة وأسطورة لا يمكن أن تصمد أمام الواقع الذي لا يرتفع، فكل ما يقع الآن، من أشكال الإجرام المنظم، من تهريب للمخدرات والأسلحة الخفيفة، وعمليات اختطاف داخل أراضي دول الساحل، وعلى تراب الجزائر نفسها، ليس سوى نتيجة حتمية لمسار طويل من الانحدار الذي بدأ منذ اللحظة التي انكشفت فيها حقيقة "بوليساريو" أداة استخباراتية في يد عرابيها، تستعملها كلما ظهرت الحاجة لزعزعة استقرار جيران الجزائر. فالأحداث الأخيرة التي توالت تباعا، من حادثة "المالحات"، داخل الأراضي الموريتانية، شتنبر الماضي، إلى الهجوم المسلح على عمال الشركة الصينية المنجزة لمشروع السكة الحديدية بين تندوف و"غار جبيلات"، قبل أيام، ليست مجرد وقائع أمنية معزولة، بل شهادات دامغة على الفكر العصابي المتجذر في عقول قيادة الرابوني، والتي تحللت من كل قيد قيمي أو سياسي، وارتكست إلى سلوك العصابات المأجورة التي لا تعرف إلا منطق الغنيمة والابتزاز، خصوصا بعدما تيقنت أن المجتمع الدولي على وشك إسدال الستار على مسرحية الانفصال سيئة الإخراج. إن ما وقع في منطقة "المالحات"، على التراب الموريتاني، قبل أسابيع، ليس إلا حلقة واحدة في مسلسل الابتزاز العابر للحدود، إذ أصبحت العناصر المسلحة التابعة لـ "بوليساريو" تتنقل داخل تراب موريتانيا ومالي، لتمارس عمليات الخطف والتهديد، ضاربة عرض الحائط بسيادة الدول المجاورة. ولأن التواطؤ الجزائري بلغ مداه، فإن هذه العصابات تجد في الأراضي الخاضعة للنفوذ الجزائري ملاذا آمنا بعد كل عملية اختطاف، حيث تخزن السيارات المسروقة بالمخيمات، ويساوم على إطلاق سراح الضحايا، مقابل فدية مالية ضخمة تدفعها أسرهم عبر وسطاء مقربين من قياديي الرابوني، في مشهد يعيد إلى الأذهان سلوك الجماعات الإرهابية التي تعشش في فضاءات الساحل. لقد أدت هذه الأنشطة الإجرامية إلى توتر متزايد على الحدود الموريتانية، التي بدأت في تعزيز رقابتها الأمنية وإنشاء نقاط تفتيش جديدة لضبط الحركة بشمالها، تحضيرا لفتح معبر جديد مع المغرب عبر السمارة، والذي يستدعي بدوره العمل على توفير مناخ من الاستقرار يضمن إنجاح فتح منطقة "تيرس زمور" على جنوب المغرب. من جهة أخرى، يعتبر هجوم مجموعة مسلحة تابعة لـ "بوليساريو"، خلال الأسبوع الماضي، على عمال شركة "CRCC"، الصينية المنفذة لمشروع السكة الحديدية بين تندوف و"غار جبيلات"، على التراب الجزائري، مشهدا آخر يلخص الانحدار المريع الذي بلغته قيادة الرابوني، والتي اعترضت عناصرها طريق هؤلاء المستخدمين الصينيين، وأبرحتهم ضربا، في وضح النهار، واستولت بالقوة على سيارة من نوع "تويوتا" تابعة للشركة، قبل أن ترصد، وهي تتجه نحو مخيم السمارة، في واقعة تفضح حجم التواطؤ والتفكك، الذي يسود المشهد داخل المخيمات، والتي تحولت إلى فضاء مفتوح للجريمة المنظمة، تديره شبكة متشابكة من القيادات التي تجمعها المصالح الشخصية و أطماع الثراء السريع. لم يعد خافيا على أحد أن قيادة "بوليساريو" لم تكن يوما سوى "مافيا" مكتملة الأركان، تديرها مجموعة من الوجوه المتورطة في شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتستمد بقاءها من تغذية الفوضى، وليس من أي مشروع سياسي أو إنساني. فالرابوني، الذي يقدمونه مقرا لقيادة التنظيم، قد تحول إلى ما يشبه تكتلا إجراميا، تتخذ فيه القرارات وفق منطق الغنيمة، وتدار فيه الموارد بأسلوب العصابات. فإبراهيم غالي ليس سوى "العراب" الذي ينسق بين شبكات التهريب والابتزاز وعمليات الاختطاف، ضامنا توازن المصالح بين أذرع الفساد التي يديرها كل من ولد البوهالي وولد لعكيك والبشير مصطفى السيد والمصطفى سيد البشير وغيرهم، الذين يديرون تهريب الوقود والسلع نحو موريتانيا، وتبييض الأموال الطائلة التي تدرها تجارة المخدرات، وذلك عبر وسطاء في الجزائر وموريتانيا وإسبانيا، إذ تتم كل هذه الأنشطة الإجرامية تحت أعين الجنرالات الجزائريين الذين يوفرون لهذه العصابة الغطاء والحماية، مقابل نصيبهم من المال القذر.