غياب التأطير يؤجج الميل للعنف والتخريب بذريعة إثبات الذات المقهورة والمحرومة والمقموعة يشكل شباب "النييت" نتاجا لإلغاء سلطة الأسرة والمؤسسات، يجني المجتمع أثره العنيف بعدما تحول وقودا حارقا لما تبقى من أمل وإمكانيات إدماجه ووضعه على السكة الصحيحة، في غياب الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني التي رفعت أياديها عن دورها التأطيري، تاركة حبل هذه الفئة على غارب الإدمان والميل للعنف أيا كانت تجلياته. تدافعت الأحزاب بحثا عن تمثيليات أقوى في المجالس، وانهمكت الجمعيات في حصد غلة الدعم والريع متناسية دورها في الوساطة والتأطير، ما أحدث هوة بينها وبين الشباب، تعمقت تدريجيا لتغرقه في دوامة وضع مختل انعكس سلبا مجتمعيا وتحول معه "عماد المستقبل"، قنابل تدمر النفس والمنشآت في محاولة يائسة منها لإثبات الذات. عدد كبير من شباب "النيت"، لم ينخرط في التعليم أو لم يتمه ولا حصل على شهادات تخوله شغلا ومدخولا يعفيه من الجلوس يوميا ب"راس الدرب" في انتظار ضحية لسلبها ما بجيبها لاقتناء حاجياته من "البلية"، أو الاعتكاف في عالم افتراضي براق يفتح عينه على "أحلام" بعيدة المنال، تزيد من تيهه عن بوصلة الاتزان والتعقل والرزانة. بين الأفق الجميل البعيد المحلوم به افتراضيا، والواقع المر الكابت لأحلام مشروعة، يتيه شباب "النييت" بحثا عن ذات ضائعة تحاول استعادة قوتها ولو في العالم الافتراضي وكلما أتيحت لها فرصة "تفجير" الطاقة السلبية في الشارع العام بطرق تميل للعنف والتخريب وتزداد قتامة وخطورة في غياب الوعي والنضج لغياب التأطير. وهو بمثل هذه السلوكات السيئة والمسيئة للمجتمع، يفجر المكبوت من طاقته السلبية في محاولة لإثبات ذات مقهورة ومقموعة ومحرومة، تحمل ندوبا وجروحا نفسية ناتجة عن تراكمات الحرمان وما جاوره، اعتقادا منه أنه بذلك يعيد الاعتبار لها بإتلاف ما يراه "عدوا" ولو بنايات ومنشآت دون وعي بأنها ملك عمومي يحافظ عليه. لم يكتف الشباب المتقاعسة أحزاب وجمعيات عن دورها حيالهم، باستعراض عضلاته الافتراضية في تدوينات وتفاعلات بمواقع التواصل الاجتماعي، ولا بإيذاء النفس بالإدمان على كل الموبقات. ومالوا تدريجيا للعنف داخل الأسرة وفي الشارع، حتى أضحوا أداة طائعة يمكن استغلالها لإشعال فتيل نار الغضب ووقودا في المظاهرات. إن ما شهدته الاحتجاجات الأخيرة من تخريب وتدمير وإضرام نار بممتلكات ومنشآت عامة وخاصة، يختصر كيف تحول هذا الشباب الضائع ناقص التأطير والتعليم والوعي، حطبا ليس فقط للتدفئة، بل لإحراق الأخضر واليابس كما لو أنه ينتقم من كل شيء حرم منه، دون وعي بخطورة ذلك وتبعاته وما قد يتسبب فيه من ويلات أفدح. ميله للتخريب يعكس حقيقة خطورة انهياره مجتمعيا ونفسيا، بعدما فقد الأمل والاتجاه وبوصلة أفق مسدود ومستقبل غامض في غياب التربية الأسرية والمجتمعية وتقاعس الجميع في القيام بأدوارهم، ما أنجب جيلا عنيفا ميالا للانتقام من الذات والمجتمع بالإيذاء والعنف وسيلة يعتقد أنها كافية لحل مشاكله الشخصية والمجتمعية. الطريق الصحيح ما يزيد من خطورة هذا الجيل إدمانه على الكحول والمخدرات، بشكل يبعده عن جادة الاتزان والصواب ويجعله أكثر عرضة لممارسة السلوكات العنيفة والاستجابة بكل عدوانية للمؤثرات أيا كانت مصادرها، سيما لما يوجد وسط جماعة وفي تجمعات قد يحس فيها بحرية تجعله أقل كبتا لتصرفه السيء سيما مع قلة النضج والوعي اللازمين. والملاحظ أن نسبة مهمة من مرتكبي أعمال التخريب، قاصرون تحكمت الاندفاعية في سلوكهم الشاذ وسط جماعة استغلت هشاشتهم الفكرية والنفسية، وساقتهم العاطفة الجماعية نحو ارتكاب أفعال معاقب عليها قانونا، تحت غطاء الاحتجاج طلبا لحقوق تاهوا عن الطريق الصحيح لانتزاعها بالاحتجاج السلمي البعيد عن العنف والتخريب. حميد الأبيض (فاس)