سي أحمد... متقاعد "على الورق" في زقاق صغير من أحياء الألفة بالبيضاء، اعتاد السكان تحديد توقيت صلاة الفجر، بمرور ظل "سي أحمد"، وهو يعبر الطريق متجها نحو المسجد. رجل جاوز السبعين عاما بقليل، نحيل القامة، ومشيته ثابتة، وصوته المبحوح يحمل نبرة دفء وصرامة في آن واحد، إذ تقاعد قبل بضع سنوات من عمله، لكنه لم يتقاعد من الحياة. يستيقظ "سي أحمد" قبل الأذان بربع ساعة، كمن تربى على دقات ساعة لا تخطئ الموعد، إذ لا يترك صلاة الفجر في جماعة، مهما اشتد البرد أو نزل المطر، ويقول بابتسامة فخر: "من يصلي الفجر مرتاح، ما يخافش من نهارو". وبعد الصلاة، لا يعود إلى فراشه كما يفعل أغلب المتقاعدين، إذ ينطلق في جولة صغيرة بين الأزقة التي يعرفها جيدا، قبل أن يقصد المخبزة القريبة، حيث يتنافس مع الموظفين والطلبة للحصول على الخبز الساخن، فهو يحب تلك اللحظة التي يسبق فيها الطوابير، ويضحك قائلا: "حتى في التقاعد، ما زال فينا روح التنافس". ومع أول خيوط الشمس، يقف "سي أحمد" في ساحة الحي، حيث يلتقي بأصدقاء العمر، وجوه حفر الزمن تجاعيده فيها، ولا تكاد الساعة تشير إلى الثامنة حتى يكون النقاش قد طاف بكل شيء: غلاء الأسعار، ومباريات الأمس، وأخبار الحكومة، وذكريات الخدمة العسكرية، وحتى وصفات الطبخ التي ينقلها أحدهم من زوجته. عندما يعود "سي أحمد" إلى البيت محملا بخبزه الطازج وضجيج أحاديثه، يبدأ الفصل الثاني من يومه، إذ يقرع الأبواب، ويوقظ أبناءه وأحفاده، ويأمرهم بالاستيقاظ بحجة أن "الفياق بكري بالذهب مشري"، بعضهم يضحك من عادته القديمة، لكنه يعرف أنها طريقته في التعبير عن الحب، ثم يجلس معهم حول مائدة الإفطار، يوزع النكت، ويعلق على كل تصرف، مثل رب أسرة لا ينسى دوره مهما مر الزمن. بعد الإفطار، يتأنق في هندامه البسيط: قميص مكوي بعناية، وسروال رمادي، وساعة يد لا تفارقه منذ أيام عمله الأولى، ثم يتوجه إلى المقهى القريبة، حيث يعرفه النادل والزبائن جميعا، حينها يجلس في الزاوية نفسها، يطلب قهوته السوداء ويبدأ بمراقبة المارة، فيسلم على هذا، ويمازح ذاك، ويعيش لحظة هدوء قبل أن يسرقه الملل. عندها يقرر التحرك نحو "الدرب"، حيث المحلات الصغيرة التي تملأها الحياة، وهناك يقضي ساعات يتنقل بين الباعة، يسأل عن الأسعار ويشاركهم الأحاديث. مع حلول الظهيرة، يجتمع "سي أحمد" مع أصدقائه من جديد، لكن هذه المرة حول طاولة "الرامي"، فاللعبة بالنسبة إليه أكثر من تسلية، إنها تدريب على التركيز، ومجال لإثبات أن الذكاء لا يشيخ. عند الغروب، يعود إلى بيته متعبا، لكن بروح راضية، ويتوضأ ويجلس في ركنه المفضل، ويقرأ آيات من القرآن أو يشاهد نشرة الأخبار بعين الناقد الخبير، وأحيانا يفتح ألبوم الصور القديمة، ليتأمل شبابه في بزة العمل، ويبتسم حين يتذكر كيف بدأ كل شيء. في الليل، لا يشكو من الوحدة، لأن يومه لا يترك لها مكانا، ويقول وهو يستعد للنوم: "الحياة بحال الخدمة، إلا وقفتي، تصدي"، ثم يضحك ويضيف: "أنا متقاعد على الورق فقط!". خالد العطاوي