بقلم: يونس مجاهد أثار النقاش والجدل حول مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، قضايا متعددة، رغم أنها ليست من اختصاص هذا المجلس، إلا أن إثارتها مؤشر على الأهمية التي يكتسيها هذا الحقل، في المجتمع، بصفة عامة، ولدى النخبة السياسية، خاصة. غير أن ما ينبغي الانتباه إليه في سياق هذا الجدل، هو أن تضخيما قد حصل، لأدوار ووظائف هذه الهيأة، إذ تم ربطها بالحق في الوصول إلى المعلومات، وبحرية التعبير والرأي، وبحرية الصحافة، وبكل القضايا والإشكالات، المطروحة في ملف الصناعة الصحافية… والحقيقة أن مهام المجلس الوطني للصحافة، في صيغته الأولى، أو في المشروع الذي مازال معروضا على البرلمان، لا تتجاوز تلقي والبت في الشكايات حول انتهاكات أخلاقيات الصحافة، وتنظيم الولوج إلى المهنة، ومعالجة نزاعات الشغل في القطاع، والمساهمة في التكوين، وتأهيل المقاولة الصحافية. كل هذه الاختصاصات لا تحسم إشكالات حرية الصحافة والرأي والشفافية وغيرها، مما تمت إثارته من قبل مجالس وهيآت سياسية ونقابية… التخصص الذي يهم الصناعة الصحافية، هو تأهيل المقاولة، وهو وإن كان من مهام المجلس الوطني للصحافة، فإنه لا يملك أدوات التأثير في واقع المقاولة، باستثناء الدراسات والاقتراحات التي يمكن أن يصدرها. أما الأمر فيظل في يد الحكومة، أولا، وفي يد الفاعلين المباشرين من مالكي المقاولات وشركات الإشهار، وكل الذين يتحكمون في المحيط التجاري والصناعي للصحافة، ثانيا. لمعالجة إشكالات الصناعة الصحافية، ينبغي تكاثف جهود الحكومة وهؤلاء الفاعلين، في إطار إستراتيجيات وبرامج متوافق حولها، تمتد في الزمن، ضمن حسابات كبيرة. من بين هذه الملفات، كيف يمكن تأهيل المقاولة الصحافية، لملامسة المستقبل واختصار المسافات، للاندماج القوي في الثورة الرقمية، والحفاظ على مكتسبات الصحافة الورقية، والتجاوب مع تطلعات وانتظارات مختلف الأجيال، دون السقوط في فخ الإثارة المجانية والتجارة الرخيصة. ومن غير الممكن تصور إنجاز هذه المهام، بدون مقاولات كبيرة، تتوفر على الموارد البشرية الضرورية، في مختلف مجالات الصناعة الصحافية، من صحافيين وتقنيين وإداريين مسيرين، وخبراء في الصحافة والتقنيات والتسويق… إن المهمة صعبة للغاية، وتحتاج إلى منظور شامل للصناعة، وأدوات مالية وقانونية ومعرفية، وليس إلى تجارب متواضعة، رغم حسن نية أصحابها. مهمة التأهيل، مطروحة أساسا على الحكومة، التي ينبغي أن تضع البرامج، لمعالجة الهشاشة، التي يعانيها القطاع، لتضع على سكة المستقبل، المقاولات التي هي متوسطة حاليا، دون أن تتجاهل المقاولات الصغرى، خاصة على المستوى الجهوي، التي يمكنها أن تلعب أدوارا كبيرة في محيطها، كما هو الشأن في كل التجارب المتقدمة. مثل هذه المهام، يمكن أن تكون فيها للمجلس الوطني للصحافة، قوة اقتراحية، فقط. كما أن مساهمته في التكوين المستمر، ستظل محدودة، لأن التكوين الأساسي هو شأن المعاهد والجامعات، وأيضا المقاولات الصحافية والمؤسسات الإعلامية، التي يمكنها أن تلعب دورا كبيرا في الرفع من قدرات العاملين بها. أما قضايا الحق في المعلومة والشفافية وحرية الرأي والتعبير والصحافة… فإصلاح او تعديل قوانينها، من اختصاصات الحكومة والبرلمان. إن المناقشات التي أثارها موضوع المجلس الوطني للصحافة، كان من الممكن أن تكون أجدى، لو استمرت، ودخلت البيوت من أبوابها، خاصة من قبل بعض السياسيين، الذين ما كان عليهم أن يحملوا موضوع مجلس الصحافة أكثر مما يحتمل، فقضايا الصحافة والإعلام حاسمة في المشاركة الديمقراطية، وفي بناء مجتمع واع بمشاكله وقضاياه وبما يحصل حوله وطنيا ودوليا، ومن المفترض أن يأخذ النقاش مجراه الصحيح، الذي ليس هو المجلس الوطني للصحافة، الذي، كما أوضحنا، مهامه واختصاصاته محدودة. ما يحصل في البلدان المتقدمة في الصحافة، هو أن الهيآت المهنية، لا تتصارع حول التمثيلية في مجالس الصحافة، لأنها تتوافق حولها مسبقا، وتهتم بوظيفتها الأساسية، التي خلقت من أجلها، هي بناء الصناعة الصحافية والإعلامية والدفاع عن تصوراتها ومواقفها ومصالح منخرطيها، كل حسب موقعه، غير أن ما حصل في مسار الجدل الذي أثاره تجديد المجلس الوطني للصحافة، هو أن بعض الهيآت تناست الوظائف التي قد تمنحها شرعية الوجود، وركزت على هاجس التموقع، من دوافع شخصية، قصيرة المدى، ضمن حسابات صغيرة.