بقلم: الفاضل الرقيبي في جغرافيا البؤس، الممتد جنوب غرب الجزائر، لم يعد الحديث عن هجرة الشباب من مخيمات تندوف مجرد ظاهرة عرضية تلوكها ألسنة الصحراويين، بل تحول إلى مؤشر بنيوي دال على الانهيار الصامت لمشروع الانفصال برمته، إذ لم يبق على أرض لحمادة، اليوم، إلا الشيوخ والنساء، بينما الجيل الجديد، الذي لطالما روجت قيادة الرابوني أنه سيحمل مشعل "التحرير الموهوم"، اختار الهروب الصامت، والقطيعة الفعلية مع سردية بائدة لا تقنع، ولا تلهم، ولا تقدم أي أفق، سوى إعادة إنتاج البؤس، وتخليد المعاناة. هؤلاء الشباب، الذين لم يعودوا يصدقون خطاب التضحية، ولا أساطير "الشهداء"، ولا أناشيد "الوطن السليب"، باتوا يدركون، اليوم، أن ما يسمى "الجبهة" ليست سوى واجهة متهالكة لمشروع وظيفي تديره الجزائر بمنطق الحرب الباردة، وأن المخيمات لم تكن يوما محطة مؤقتة، بل كانت سجنا جماعيا مفتوحا، تدار فيه المعاناة برأسمال دعائي محض. إن الهجرة المتزايدة للشباب من المخيمات، هي في واقع الحال تحرر معلن من خطاب عسكري ماضوي، ومن سلطة مجموعة مسلحة تعيش على أرشيف الصور، ومن كذبة كبرى اسمها "القضية"، صنعتها مختبرات الاستبداد الجزائرية لتستعملها قيادة الرابوني، ومن يدور في فلكها، من أجل مراكمة الثروات والامتيازات. فهي القيادة نفسها، التي حولت المخيمات إلى مزرعة عائلية مغلقة، تتاجر فيها بآلام الصحراويين، بما يضمن لزمرة غالي الولوج السهل لأموال الدعم الإنساني المهرب، الذي يمكنهم وأسرهم من العيش بأوربا، ويمنح أبناءهم المحظوظين فرص متابعة دراستهم في جامعاتها، بينما شباب المخيمات يكابدون، بحثا عن موارد عيش خارج أسوار المخيمات، فإما يلقون حتفهم داخل حفر التنقيب عن الذهب، أو يسقطون صرعى تحت رصاص الجيش الجزائري. ولعل أحد العوامل التي جعلت المخيمات فارغة تماما من شبابها، هو القناعة التي ترسخت عند معظمهم، بأن حكام الجزائر لا ينظرون إلى سكان هذه المخيمات لاجئين ينبغي توفير سبل الحياة الكريمة لهم، بل أوراق ضغط يعاد تدويرها عند الحاجة، في إطار خيار إستراتيجي محسوب، يجعل من الفقر المدقع وسيلة لضمان الخضوع، ومن هشاشة البنية التحتية شبكة خنق جماعية تمنع كل رغبة في التحرر أو التفكير في بدائل. وهكذا، تولد رفض الشباب الصحراويين لسياسة تحويل المخيمات إلى مستودعات بشرية قابلة للتعبئة، عند اللزوم، في مشاريع التجنيد أو التهريب أو تسويق الخطابات الكاذبة باسم قضية فاقدة لأي مضمون. ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي، لا لتكمل الصورة فقط، بل لتقلب الطاولة على آخر أوهام الجبهة، وتجهز على ما تبقى من سيطرتها الرمزية المزعومة على سكان المخيمات. فالشباب الذين طالما خدعوا بخطابات خشبية حول "الكرامة" و "التحرير"، صاروا يرون الحقيقة بلا وسيط: من جهة، مخيمات بئيسة تحاصرها الرمال والفقر وميليشيات الرابوني والجيش الجزائري، ومن جهة أخرى، أقاليم جنوبية تنبض بالحياة، بشوارعها المعبدة، وساحاتها الجميلة، ومظاهر الترف التي لا تخطئها العين في عيش الصحراويين بالعيون والداخلة، وباقي مدن الجنوب المغربي. وبهذا، لم تعد المقارنة نظرية عند شباب المخيم، بل صارت يومية، بصرية، قاطعة، ومحرجة لـ "بوليساريو"، حد الانفجار. فالفارق صار قاتلا لأي سردية تعبوية كاذبة، بل إن مفهوم "الشعب الصحراوي" الذي تتغنى به قيادة الرابوني فقد صدقيته أمام شباب يرفض أن يختزل في خريطة لا تمت للحقيقة بشيء، وشعارات لا ترددها إلا أبواق "بوليساريو" وثكنة بن عكنون.