بقلم: يونس مجاهد مهما كان تصورنا لما قام به الاستعمار من فظاعات في حق شعوب البلدان التي استعمرها، فإن هذا التصور سيظل منقوصا، وعاجزا عن إدراك حجم المجازر التي ارتكبها، وعمليات التعذيب والقتل التي تعرض لها المقاومون، ناهيك عن نهب الثروات، والتعامل مع "الأهالي" كحيوانات، إذا لم يخضع للدراسة الأكاديمية، في تخصص التاريخ، خاصة، معززا بالوثائق والشهادات والمعطيات العلمية، وفي تخصصات أخرى. وتكتسي هذه المسألة أهمية بالغة، ليس في بعدها التاريخي فحسب، بل نظرا لراهنيتها اليوم، في تمثل علاقتنا مع العالم الغربي، خاصة مع الدول الاستعمارية، لأن الفهم العميق لمنطق الاستعمار وخلفياته الثقافية، بالإضافة إلى السياسية والاقتصادية، يمكنه أن يلقي الأضواء على العديد من القضايا المطروحة حاليا في العلاقات بين الدول والشعوب. ومن بين الملفات التي يمكن إخضاعها للبحث والدراسة، موقف عدد من المفكرين والعلماء والشخصيات السياسية، وغيرهم ممن يعتبرون من النخبة، في البلدان الاستعمارية، من غزو الشعوب الأخرى، واحتلال أراضيها ونهب ثرواتها وتقتيل سكانها واستعبادهم... من المؤكد أن مثل هذا البحث سيكشف عن مفاجآت، مثل ما نشر حول الروائي والشاعر الفرنسي الكبير، فيكتور هوجو، الذي اعتبر أن الرجل الأبيض جعل في القرن التاسع عشر من الأسود إنسانا، وفي القرن العشرين، ستصنع أوربا من إفريقيا عالما متحضرا. قال هذا في خطاب ألقاه في 1879، سمي "خطاب إفريقيا"، جاء فيه أيضا؛ "هيا أيتها الشعوب خذوها. الله يهدي إفريقيا لأوربا. خذوها. حيث يحمل الملوك الحرب، احملوا أنتم الوئام. خذوها، ليس للمدافع، بل للمحراث، ليس للسيف، بل للتجارة، ليس للمعركة، بل للصناعة؛ ليس للغزو، بل للإخاء، أفرغوا فائضكم في إفريقيا، وبذلك تحلون مشاكلكم الاجتماعية، وتحولون "بروليتارييكم" إلى ملاكين. هيا، افعلوا، شقوا الطرق، وابنوا الموانئ، وأنشئوا المدن، تطوروا، استصلحوا الأرض، استعمروا، تكاثروا...". كاتب رواية "البؤساء"، التي مازال يعاد تمثيلها في المسرح والسينما، إلى اليوم، رمزا ضد الظلم واللامساواة، يحرض أوربا على استعمار إفريقيا، التي قال عنها أيضا "إنها بلا تاريخ". ومن المؤكد أن النبش والبحث في حفريات الماضي الاستعماري سيكشف مفاجآت أخرى، من قبيل الموقف المتواطئ لأغلب القوى اليسارية الأوربية، مع الاستعمار، وحتى لما كانت تتولى مقاليد السلطة في بلدانها، فإنها نهجت السياسة نفسها. وربما أن خطاب فيكتور هوجو، المشار إليه، يفسر الخلفيات الثقافية التي جعلت العديد من اليساريين يتواطؤون مع المخطط الاستعماري لدولهم، إضافة إلى الدفاع عن مصالح بلدانهم، مهما كان الثمن. لذلك، فإن فهم الواقع الاستعماري، بكل خلفياته وأبعاده، يسمح بمزيد من الكشف عن الحقائق، التي حاول الغرب طمسها، خاصة المذابح التي ارتكبها في حق الشعوب، التي خضعت للاستعمار، والتي تحتاج إلى أعمال دقيقة وعلمية، لمعرفة كل فظاعاتها. ومن بين الأعمال التي تستحق المشاهدة، الوثائقي الفرنسي، الذي تم إنجازه تحت عنوان؛ "تصفية الاستعمار، الدم والدموع"، من قبل باسكال بلانشار، ودافيد كورن بزوزا، الذي يستعرض بمهارة وكفاءة، جزءا من التاريخ الاستعماري لفرنسا، في إفريقيا والفيتنام وسوريا ولبنان والكاريبي، ويلقي الأضواء على الجرائم التي ارتكبت، ويفضح إستراتيجية الاستعمار الجديد، الذي منح الاستقلال للبلدان التي احتلها، مقابل تنازلات كبيرة عن ثرواتها وقرارها السيادي، منها من ظل تحت الوصاية الاستعمارية إلى اليوم. فالاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري، بل حمل معه ثقافته العنصرية، التي تعاملت مع الشعوب الخاضعة له كمتوحشين، في حاجة إلى من يدمجهم في الحضارة، لذلك كانت المذابح في حقهم ممارسات مألوفة، واستعمال الغازات السامة، كما حدث في الريف، شمال المغرب، والنابالم، في فيتنام، مبررا، وفي الوقت الذي كانت فيه بلدان مثل فرنسا وبريطانيا، تنددان بجرائم النازية، ضد الإنسانية، كانت هي نفسها ترتكب الجرائم في حق الشعوب. لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى تقسيم المناطق التي كانت مستعمرة، وزرع الفتنة بين شعوبها، وافتعال النزاعات، وإشعال الحروب، لتأبيد إستراتيجية الهيمنة. في البداية، استعملت الثقافة الاستعمارية شعارات زرع الحضارة لدى المتوحشين، واليوم، تستعمل شعارات الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان، وهي في أغلبها مجرد نفاق و"تكتيكات" للضغط على الدول التي نالت استقلالها، للحصول على امتيازات وتنازلات. لذا، فإن القيام بحفريات في التاريخ الاستعماري، سيقدم لنا أجوبة عن العديد من قضايا الحاضر.