خالد العطاوي أعلنت وزارة الداخلية عن انطلاق جيل جديد من برامج التنمية المجالية المندمجة، في خطوة وصفت بالإستراتيجية، واعتبرت تجسيدا لرؤية ملكية عميقة تهدف إلى تحقيق العدالة الترابية وضمان توزيع عادل لمكاسب النمو الوطني، لكن يظل سؤال يفرض نفسه: هل يكفي إطلاق هذه البرامج الطموحة في ظل استمرار حضور "فاشلين" أثبتوا عبر عقود طويلة عجزهم عن إدارة مؤسسات عمومية أو تدبير جماعات محلية أو حتى تسيير أحزاب سياسية؟ لا يحتاج المغرب اليوم فقط إلى خطط جديدة مرسومة بعناية في مكاتب الوزارة، بل يحتاج إلى جيل جديد من العقول، يتمثل في نخب سياسية وفكرية وأكاديمية تملك الكفاءة والشجاعة لكسر قوالب الماضي، وتؤمن بأن التنمية ليست شعارات انتخابية ترفع وقت الحاجة، بل مشروع مجتمعي شامل يتطلب الإبداع والعمل الجاد، خاصة أن تجارب سابقة أثبتت أن الفاشلين عاجزون عن ترجمة المبادرات إلى واقع ملموس، وكيف تحولت مشاريع طموحة إلى بنايات مهجورة أو أوراش متوقفة، بسبب عقلية تضع المصالح الضيقة قبل الصالح العام. الرؤية الملكية واضحة، والخطوط العريضة مرسومة بدقة، لكن العطب في الوسيط البشري الذي مازال يشتغل بعقلية الأمس، فكيف نتحدث عن عدالة ترابية حقيقية، بينما بعض المسؤولين المحليين والمنتخبين يكتفون بإدارة الشأن العام بمنطق "الريع الانتخابي"؟ وكيف نبني اقتصادا محليا منافسا إذا كانت مؤسساتنا رهينة البيروقراطية وضعف الكفاءات؟ الأكيد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إقصاء الفاشلين بلا مجاملة، وفتح الباب أمام كفاءات تحمل أفكارا جديدة، وتؤمن بقدرة المغرب على التحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية حقيقية، فالجامعات والمجتمع المدني وقطاع المقاولات الناشئة مليئة بأسماء تملك الجرأة على الإبداع والقدرة على تحويل الخطط إلى منجزات واقعية، شريطة أن تمنح لها الثقة والمسؤولية. لا يمكن لجيل جديد من التنمية أن يقوده إلا جيل جديد من النخب، جيل يتعامل مع التنمية، باعتبارها مسؤولية جماعية وواجبا وطنيا، لا غنيمة سياسية ولا فرصة للاغتناء السريع، فالتنمية ليست مجرد تقارير ترفع إلى المؤسسات الدولية، بل شعور حقيقي يعيشه المواطن حين يرى مستشفى لائقا في منطقته، ومدرسة حديثة لأطفاله، وفرص شغل تحترم كرامته. إن استمرار الفاشلين في مواقع القرار يعني أن كل هذه الخطط ستبقى مجرد شعارات معلقة على جدران الإدارات. أما إذا امتلك المغرب شجاعة القطع مع الماضي، وقرر المراهنة على الكفاءات النزيهة، فإن جيل التنمية الجديد سيزهر ويحقق حلم العدالة الترابية الحقيقية. التحدي الآن ليس في رسم الخرائط، ولا في توقيع الاتفاقيات، بل في بناء الإنسان قبل البنيان.