متسولون في جلباب أطباء يروجون منتجات خارج القانون ويبتزون الركاب في وقت يعتقد فيه بعض المغاربة ممن لا يستعملون وسائل النقل العمومية، أن ظاهرة بيع الأدوية والمنتجات شبه الطبية، التي تروج دون حسيب أو رقيب داخل الحافلات أصبحت جزءا من الماضي، انبعثت الظاهرة من جديد، وأصبحت تجارة رابحة لبعض المتسولين، الذين يتخفون في جبة "المتخصص"، من أجل بيع مواد لا يعرف مصدرها أو مدى خطورتها على المستهلك، في تساهل تام من قبل الشركة المشغلة للحافلات العمومية بالبيضاء. بعد تجديد أسطول الحافلات بالبيضاء، استبشر البيضاويون خيرا بإنهاء فوضى الحافلات المتهالكة، التي كانت تجوب المدينة، والتي كانت مشتلا للسرقة والاعتداءات والتحرش ورداءة الخدمات، وهو ما تم طي صفحته فعلا، إلا أن فئة من المتسولين والمخادعين يحولون إفساد ثورة التنقل العمومي بالبيضاء، ويسعون إلى استعادة الفوضى فيها، مستغلين تساهل الشركة معهم. محتالون من أجل الوقوف على حقيقة هذه الممارسات، قررت "الصباح" القيام بجولة في مجموعة من خطوط حافلات البيضاء، واتضح من الوهلة الأولى أن فئات كثيرة من المحتالين تصول وتجول في الحافلات دون حسيب أو رقيب، وتعرض الركاب للابتزاز، ولا أحد يستطيع أن يوقف أفرادها، ما دامت الشركة لا تمنعهم، كما هو الأمر في شركة "الطرامواي" على سبيل المثال. بمجرد وقوف الحافلات لإنزال الركاب وصعود زبائن جدد، في إحدى المحطات، صعد شخص يحمل في يده سلة، وبدأ في إلقاء خطاب أولي يعرف من خلاله بمنتجه، ويدعي أنه مرهم خاص بعلاج مجموعة من الأمراض، من قبيل الدوالي وأمراض المفاصل، و"السياتيك" وغيرها، بلغة منمقة محشوة بعبارات دينية، في مناورة مدروسة لكسب ثقة الزبائن. ويقف هذا الصيدلاني المزيف، بالقرب من السائق، ويصرخ في الركاب بعبارات يحفظها عن ظهر قلب، ويرددها بسرعة فائقة، تدل على أنه محترف في خداع المواطنين بهذه النوعية من الكلام. ومن الأمثلة على ما يردده هذا الشخص، الذي يبدو في عقده الرابع، "خوتي المسافرين، لي غادي لشي غراض الله يقضيه ليه... كيضروك عظامك، ما خليتي فين مشيتي، قهروك الطبا والأدوية ومجابش الله الشفا... عندي هنا الحل ديالك"، ويردد عبارات أخرى منمقة، من أجل التلاعب بعقول المرضى، خاصة أن جل الركاب يعانون بعض الأمراض، ولا يتوفرون على المال الكافي لعلاجها، ويعتقد بعضهم أن هذا المنتج الرخيص بإمكانه أن يفي بالغرض. وهناك مجموعة من الأشخاص الذين يقتنون هذه المنتجات، التي تباع بـ 5 دراهم فقط، خاصة أن البائع يدعي أنه يبيعها في المحل بمبلغ 20 درهما، وأنه يبيعها في الحافلة بـ 5 دراهم، لأنه معفي من أداء رسوم الكراء والضريبة والماء والكهرباء، وغيرها من استراتيجيات الإقناع الكاذبة، التي تنطلي على البعض. سوق متنقل لا يقتصر البيع في الحافلات على المراهم وبعض قطرات العين أو محاليل "طبيعية"، بل هناك من يبيع الضمادات اللاصقة، بسعر درهم واحد لست وحدات، مدعيا أن الصيدلية تبيعها بـ 5 دراهم، وأن أصحاب المحلات يبيعونها بدرهمين أو أكثر، وأنه يبيعها بسعر أرخص، وأنه لا يطمع في الربح السريع. ويصعد إلى الحافلات أيضا أشخاص يبيعون أغلفة الوثائق الإدارية، وآخرون يبيعون ملصقات الأدعية الدينية، إضافة إلى "الكرابة" الذي يبيعون الماء، وغيرها من المنتجات، التي أعادت هذه الظاهرة السلبية إلى وسائل النقل العمومي، ناهيك عن المتسولين، الذين يصعدون بدورهم ويوزعون الأدعية على الركاب، طمعا في الحصول على مقابل مالي. ومن النماذج التي عاينتها "الصباح"، شخص صعد إلى الحافلة مدعيا أنه كان يعمل في معمل لصناعة الأحذية، وأنه صادف في طريق العودة من العمل عصابة كسرت ذراعه، وأنه لم يجد المال للتداوي، وأن صاحب البيت يطالبه بالكراء، وفجأة شرع في ذرف الدموع والبكاء، خاصة أن السائق كان يستمع لإذاعة محمد السادس للقرآن الكريم، وكانت تذيع برنامج صوفيا، إذ اندمج "المحتال" مع الموسيقى، وبكي بحرقة، وسرعان ما جفت دموعه بعدما شرع في جمع الدراهم من الركاب. عصام الناصيري