ترسم صورة قبيحة عن العمل السياسي للأجيال الصاعدة مع دنو موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة، لا صوت يعلو على صوت "سرقة" المرشحين داخل أحزاب الأغلبية الحكومية، في واحدة من أسوأ الحقائق الانتخابية المرة. وسجلت، خلال نهاية الأسبوع الماضي، سرقة موصوفة بإقليم الخميسات في واضحة النهار، إذ نجح "كومندو" من "البام"، بقيادة رشيد العبدي، رئيس جهة الرباط سلا القنيطرة، في "سرقة" بشرى الوردي، رئيسة المجلس الإقليمي للخميسات، المنتمية لحزب الأحرار. وبدأت ملامح الساحة السياسية الوطنية تتشكل وسط تجاذبات حادة وممارسات تثير الكثير من الجدل حول الأخلاقيات السياسية، ولعل أبرز هذه الظواهر المقلقة ما يمكن وصفه بـ "الاستقطاب القسري" أو "سرقة الأعضاء"، وهي دينامية باتت تعتمدها بعض الأحزاب المكونة للأغلبية الحكومية لتعزيز صفوفها على حساب حلفائها. هذه الممارسة التي أصبحت تتصدر النقاشات الصامتة والمعلنة داخل الصالونات السياسية، تكشف عن عمق الأزمة البنيوية التي تعانيها بعض التنظيمات الحزبية، التي باتت تفضل الحلول الانتخابية الجاهزة وسريعة المفعول على حساب البناء التنظيمي والتربوي طويل الأمد. وتشير المعطيات الميدانية إلى أن أحزاب التحالف الحكومي الثلاثة لم تسلم من هذه الممارسات، إذ سجلت حالات لجوء بعض هذه الأطراف إلى استمالة واستقطاب وجوه وازنة من أحزاب حليفة، وتزكيتها للترشح باسمها في الانتخابات المقبلة. وتجسدت آخر هذه التحركات في نجاح حزب الأصالة والمعاصرة في استقطاب بعض الأسماء والوجوه من التجمع الوطني للأحرار، وهو سلوك، وإن كان يبدو في ظاهره حراكا انتخابيا طبيعيا يفرضه قانون العرض والطلب السياسي، إلا أنه يمثل في عمقه طعنة لروح التحالف المبرم، ومن شأنه أن يزيد من حجم الشرخ والتباعد بين مكونات الأغلبية، مهددا تماسكها في ظرفية دقيقة تتطلب أعلى درجات التنسيق والانسجام لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة. إن السعي المحموم وراء حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد لضمان قيادة الحكومة المقبلة، لا يبرر بأي حال من الأحوال اللجوء إلى "الاستقطاب المجاني" للمنتدبين من الأحزاب الحليفة. فهذه الممارسات، وإن كانت لا تخالف القوانين الانتخابية بشكل صريح مادام لا يوجد ما يمنع قانونا تغيير الانتماء خارج الفترات التي ينظمها القانون، إلا أنها تسقط سقوطا مدويا في اختبار الأخلاق السياسية والالتزام بين الشركاء. إنها تعكس عقلية "الغنيمة" التي تغلب المصلحة الحزبية الضيقة والآنية على المصلحة الوطنية العليا والالتزامات المبدئية التي تأسس عليها التحالف الحكومي، مما يحول الفعل السياسي من تدافع شريف حول البرامج المجتمعية، إلى مجرد صفقات نفعية تبحث عن كسب المقاعد بأي ثمن. وتحمل هذه الظاهرة في طياتها رسائل بالغة السلبية للمجتمع وللجسم الانتخابي ككل، إذ تساهم بشكل مباشر في تشويه المشهد السياسي وإظهار العمل الحزبي كمعركة مصالح ضيقة تفتقر إلى المبادئ والثوابت، بدلا من أن يكون ميدانا للتنافس الشريف بناء على البرامج والبدائل التنموية والحلول الواقعية لمشاكل المواطنين. هذا الوضع يعمق من إحباط الشباب والجيل الصاعد ويقودهم بشكل حتمي نحو العزوف عن الانخراط في الحياة السياسية، والتراجع عن القيد في اللوائح الانتخابية، والمقاطعة التامة لصناديق الاقتراع، لشعورهم بأن النخب السياسية لا تمثل تطلعاتهم، بل تبحث فقط عن تدوير المواقع والمناصب. عبد الله الكوزي