في 1963، كتب غسان كنفاني روايته الشهيرة "رجال في الشمس". رواية موجعة، تختصر مأساة شعب بأكمله، من خلال ثلاثة فلسطينيين يموتون اختناقا داخل خزان شاحنة في صحراء البصرة، بينما يقف السائق "أبو الخيزران" خارجا، منشغلا بحوار عبثي مع رجال الحدود. ماتوا في صمت، دون أن يطرقوا جدران الخزان. كانت تلك هي الصرخة الكبرى للرواية "لماذا لم يصرخوا؟"، "لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟". مرت عقود، لكن يبدو أن الخزان العربي لا يزال يحتفظ بأسراره الثقيلة وبرمزيته العميقة وبتراجيديته المتكررة. لم يعد الخزان شاحنة في صحراء العراق، بل تحول إلى خزان ماء في قرية مغربية منسية تدعى أولاد يوسف. خزان شاهق وكئيب من إسمنت وحديد، لكن هذه المرة لم يحمل الموت صامتا، بل حمل مواطنا حيا يدعى بوعبيد، قرر أن يصعد إلى القمة، لا ليهرب، بل ليسمع صوته. بوعبيد، على عكس الفلسطينيين الثلاثة، لم يصمت. صعد وصرخ ولوح. ربما قال للعالم: "أنا هنا. أنا مهمش ومنسي، لكنني أتنفس، ولازلت أطالب، أصرخ وأحتج". ومع ذلك، لم يسمعه أحد، أو لم يشأ أحد أن يسمعه. بقي معلقا بين الأرض والسماء، في مشهد سريالي يليق بفيلم عبثي: رجل فوق خزان ماء، يصرخ من أجل الكرامة، ومن أجل مصير أب مجهول، وجثة وتحقيق وتشريح، والناس يتابعون من الأسفل كأنهم يشاهدون مشهدا من مسرحية قديمة عصية على الفهم. في الخزان الأول، كان الموت بصمت. في الخزان الثاني، كان الصراخ دون أثر. لكن الخزان في الحالتين، ليس مكانا عابرا: هو رمز. أبو الخيزران كان رمزا للصمت المتواطئ، الذي آثر السلامة الشخصية على أرواح الآخرين. أما في قصة بوعبيد، فـ"أبو الخيزران" ليس شخصا، بل ربما هو الإدارة الصامتة والسلطة الغائبة والمجتمع "المتفرج" والمدجج بكاميرات الهواتف وبـ "التراند". وحين يصبح خزان ماء منصة احتجاج عوض الساحة المقابلة للجماعة والإدارة، أو مقر العمالة، فاعلم أن هناك خللا في مكان ما. لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟ سأل كنفاني قبل أكثر من نصف قرن. نطرح نحن سؤالا معكوسا اليوم: لماذا لم يسمعه أحد، رغم أنه صرخ وطرق ورفع صوته عاليا؟ في الخزان الأول، لم يفتح الباب إلا بعد فوات الأوان. وفي الخزان الثاني، الباب لم يغلق، لكنه كان مفتوحا على الفراغ. بتفاصيل مختلفة، لكن بالرمزية نفسها. موت في صمت، أو صراخ في فراغ.. سقوط وخاتمة. للتفاعل مع هذه الزاوية: mayougal@assabah.press.ma