المخرجة المغربية قالت إن عامل تحناوت أوحى لي بالاشتغال على شخصية زينب النفزاوية كشفت المخرجة المغربية فريدة بورقية عن مشروع فيلم وثائقي عن الفنان الراحل محمد رويشة تشتغل عليه حاليا. صاحبة "جنان الكرمة" تتحدث في هذا الحوار عن أبعاد هذه التجربة، كما ستستحضر جوانب من علاقتها بالسينما والتلفزيون وأشياء أخرى. في ما يلي نص الحوار: < ما هي أسباب نزول هذا الشريط الوثائقي عن محمد رويشة، ولماذا هذه الشخصية الفنية بالضبط؟ < فكرة إنجاز عمل عن محمد رويشة راودتني، منذ مدة طويلة، وقبل وفاته، وتحديدا في الفترة التي صورنا فيها مسلسل "المجدوب" (2008)، إذ مباشرة بعد انتهائنا من تصوير المسلسل وكما هي العادة أقمنا حفلا لهذه المناسبة، يضم الطاقم الفني والتقني للعمل، إضافة إلى ضيوف آخرين، وكان حفل الاختتام في مراكش، وحضرته مجموعة من الأسماء الفنية منهم لمشاهب، وفوجئت بحضور محمد رويشة، بدعوة من الممثلة حنان الإبراهيمي التي كانت واحدة من المشاركات في العمل، وكان سبق لي أن اشتغلت معه أيام "سهرات الأقاليم"، في هذه اللحظة روادتني الفكرة خاصة أن رويشة كان يتمتع بشخصية فريدة وكان محبوبا من قبل الجميع، كانت الفكرة هي إنجاز فيلم طويل عنه، والطريف أنني لم أفاتحه في الأمر، بل ظلت الفكرة فقط في ذهني أقلّبها على كافة الأنحاء، وأفكر في الطريقة التي يمكن بها أن أنفذها، بشكل يجمع ما بين التخييل ووقائع من سيرته الذاتية < كثيرا ما تتناول أشرطة السير الذاتية حكايات أشخاص متوفين لكنك فضلت الاشتغال على شخصية كانت ما تزال على قيد الحياة؟ < ربما، لكن حينما فكرت في رويشة افترضت أنه يمكن أن يساعدني في رسم ملامح الشخصية وتوفير المعلومات الكافية عنه، وتبين لي أنه من الصعب، تنفيذ المشروع خاصة في ما يتعلق بالعثور على شخص شبيه بمحمد رويشة خاصة على مستوى الملامح، وطريقة حديثه وجلوسه وعزفه، فمثلا المخرج كمال كمال حين اشتغل على شخصية محمد الحياني، عثر على الشخص الذي ظهر له مثل الحياني، لكن بالنسبة إلي بدا لي الفرق شاسعا بين الحياني الذي عرفته والحياني الذي ظهر في المسلسل الذي حمل اسمه، المهم أنني وضعت فكرة محمد رويشة جانبا إلى أن تنضج، وانخرطت في مشاريع أخرى منها الشريط السينمائي "زينب.. زهرة أغمات".. < وكيف عدت إلى الاشتغال على الوثائقي مجددا؟ < قبل أن أعود إلى هذا الوثائقي التخييلي، كنت تقدمت بمشروع آخر للتلفزيون عبارة عن مسلسل من ثلاثين حلقة بعنوان "رانيا" لمؤلفه عبد الإله الحمدوشي، كنا قد اشتغلنا عليه سويا وأعدنا صياغته، المثير أن هذا المسلسل بعد أن مر على لجنة القراءة بالقناة الأولى، وكنا من بين الثلاثة الأوائل الذين اجتازوا المرحلة الأولى إلى مرحلة التقييم المالي، وفوجئنا بحذف العمل بصفة نهائية، دون أسباب واضحة، ولما أقصينا من هذا العمل، قلت مع نفسي ربما هنا يجب علي أن أقف وأعيد تقييم وضعي، خاصة أنني استأت من الطريقة التي قبل بها عمل آخر. < ربما لم تكن أول مرة يرفض لك عمل تلفزيوني، فحتى زينب النفزاوية كان في البداية مشروعا تلفزيونيا قبل أن تحوليه إلى السينما؟ < بالنسبة إلى مشروع زينب، لم أكن أنا التي سعيت إلى التلفزيون، ففي تلك الفترة كنت قد اشتغلت على شريط "القرصان الأبيض" واتصلوا بي على أساس أن أشتغل على عمل درامي من اقتراحي، فقلت لهم إنني مستعدة إن كانت لديكم أنتم مشاريع، فقلت لهم إن لدي مشروعا من ثلاثين حلقة. < كيف جاءت فكرة زينب أصلا؟ < عندما كنت أشتغل على مسلسل "المجدوب" التقيت عامل منطقة تاحناوت بنواحي مراكش، الذي اقترح علي فكرة الاشتغال على هذه الشخصية وسلمني رواية "زينب ملكة مراكش" لزكية داود، وفعلا قرأت الرواية في يومين، ووجدت أن هذه الرواية عمل أدبي خالص ولكن من الصعب تحويله إلى عمل سينمائي بل مستحيل إذ سيتطلب ميزانية خيالية، ولكن الفكرة ظلت قائمة، وتعرفت في ما بعد على زكية داود التي جاءت إلى منطقة أغمات، والتقينا هناك وناقشنا الفكرة، وقالت لي إن الكتاب منشور في فرنسا ويجب علينا أن نقتني حقوقه من هناك، فأوضحت لها أنني لا أنوي الاشتغال على شخصية زينب من خلال الرواية، واكتشفت بالصدفة أن زكية كانت تعرف والدي عبد السلام بورقية في تجربة "لاماليف"، المهم أنني اشتغلت على شخصية زينب النفزاوية، دون أن أعتمد نهائيا على الرواية، أي من زاوية أخرى مغايرة رفقة منصف القادري، وهي المسألة التي تبدو واضحة بالنسبة إلى من قرأ الرواية وشاهد الفيلم. < وبالنسبة إلى عملك عن رويشة؟ < هذا العمل أشتغل عليه في الأصل عملا سينمائيا مطولا (90 دقيقة) وثائقيا تخييليا، فعنصر التخييل بالنسبة إلي يتحدد في مرحلة طفولة رويشة، خاصة أن هناك غموضا كبيرا يلف هذه المرحلة، إذ لا أحد يعرف أين ولد فهناك من يقول تنغير أو آزرو أو خنيفرة، بل هناك تسجيل لرويشة يقول إنه ولد في منطقة تينمل، ركزت كثيرا على هذه المرحلة سيما في علاقته بوالدته في الطفولة ومغادرته مقاعد الدراسة مبكرا بسبب شغفه بالموسيقى وآلة لوتار، وتدرج في حرف عديدة، إلى أن نصل إلى مرحلة شهرته، لكن ما يهمني أكثر هو هذا الجانب الطفولي في شخصيته، وفي هذا السياق أود أن أوضح مسألة مهمة هي أن هناك شخصا آخر يحمل اسم "محمد رويشة" سبق الفنان الذي نعرفه في مجال الفنان، إلا أن الشهرة نالها الثاني، والطريف أن هناك شبها كبيرا بينهما خاصة أن الشبيه أيضا يغني ويعزف على لوتار وسبق أن تعاملا معا، ويتحدر من أزرو، لكنه هاجر إلى فرنسا واستقر بها. < إلى أي حد سيغير هذا الاكتشاف مجرى عملك؟ < من المؤكد أنني سأستفيد كثيرا من هذا الاكتشاف، بشكل جعلني أنطلق من "رويشة الأكبر" أي الذي ما زال على قيد الحياة، والذي كشف لي الكثير من الأسرار المتعلقة بمسار "رويشة الأصغر"، منها قضية الوتر الرابع الذي يقال إنه أضافه إلى لوتار، والواقع أن هذا الوتر كان مضافا قبلهما، إلا أن الراحل محمد رويشة، أدخل عليه تعديلات تتعلق بالدوزنة وتسوية الأوتار. < نعود إلى فيلم "زينب زهرة أغمات" الذي كان في الأصل مشروعا تلفزيونيا ثم حولته إلى عمل سينمائي، ألم تكن العملية مكلفة من الناحية الفنية والتقنية؟ < نعم خاصة أن التصور الأولي للعمل كان تلفزيونيا وبسبب تكاليفه الباهظة لم يكن في المستطاع تنفيذه كذلك، قررت الاشتغال عليه عملا سينمائيا، رغم أن ميزانية الفيلم لم تتعد 380 مليون سنتيم، إلا أن إنجازه كان بالنسبة إلي نوعا من التحدي، وكنت أعرف مسبقا أنني لن أربح ماليا، فهذا قدر الأعمال التاريخية في هذا البلد. < اعتمدت الدارجة المغربية في الفيلم ألم يكن ممكنا اللجوء إلى الفصحى أو بذل مجهود أكثر للتعرف على طبيعة اللغة التي كان يتحدثها المغاربة خلال العهد المرابطي الذي تناوله الفيلم؟ < أعتقد أن هذه المسألة ترتبط بكاتب السيناريو، فلا أعتقد أن الأمر يتعلق بي، في الحقيقة لم أفكر في الأمر ولم نطرحها في ما بيننا. < الفيلم رافقته الكثير من المشاكل خاصة في ما يتعلق باختيار بطلته؟ < قيل كلام كثير في ما يخص اختيار منى فتو، أو فاطيم العياشي، أو سهام أسيف، وما أود أن أوضحه في هذا السياق أن استبدال منى فتو لم يكن متعلقا بقدراتها لأنها ممثلة مقتدرة ولا نقاش حول كفاءتها، بل بعامل الوقت ففي الفترة التي كان من المفروض أن أباشر تصوير فيلم "زينب" كان فتو منشغلة في عمل تلفزيوني آخر ولم يكن من الممكن الانتظار حتى تنتهي، ومن هنا وقع الاختيار على فاطيم العياشي دون أي خلفيات. < أنت من الأسماء المخضرمة التي عايشت أجيالا في التلفزيون المغربي كيف ترين وضعه حاليا؟ < أعتقد أن هناك "شي حاجة ماشي هي هاذيك"، وأعتقد أن هناك أشياء كثيرة غير طبيعية، ففي الوقت الذي تكون فيه الأعمال ما تزال بين يدي لجنة القراءة، توقع عقود الممثلين من طرف المنتجين، وكأن المسائل محسومة سلفا، وإلا ما الجدوى من هذه الزوابع التي أثيرت بسبب دفاتر التحملات ما دام أن الشركات الكبرى هي المستفيدة دائما فيما مصير الصغرى الإفلاس. أفلام لحفظ ذاكرة المغاربة < من الملاحظ أنه بعد اشتهارك بالأعمال الدرامية توجهت في السنوات الأخيرة إلى أعمال ذات صبغة تاريخية أو تقترب من ذلك؟ < فعلا كانت هناك أعمال تقترب من شخصيات تاريخية دون الإشارة إليها بشكل صريح، كما هو الشأن بالنسبة إلى مسلسل "جنان الكرمة"، تفاديا للمشاكل التي يمكن أن تنجم مع أحفاد هؤلاء الشخصيات، وأيضا بسبب تعدد الروايات والأساطير حولها، لكن مع مسلسل "المجدوب" بدا التوجه نحو التاريخ أكثر وضوحا، وهو ما تكرس مع فيلم "زينب"، وهي أعمال تتطلب "العض على الصبر"، لأنها في النهاية تحفظ الذاكرة الجماعية للمغاربة. أجرى الحوار: عزيز المجدوب