عصام الناصيري كان الله في عون العقل الاستراتيجي المغربي، المكلف بالتفكير في إشكالية الماء والجفاف، والسياسة الفلاحية والقيمة المضافة في القطاع الفلاحي. يصطدم كل من أراد سن سياسة عامة أو عمومية بتناقضات كثيرة، أبرزها أن الصورة غير واضحة عالميا، ولا أحد بإمكانه الجزم في الوقت الراهن والتنبؤ بمستقبل المناخ والتساقطات المطرية. وبدا جليا هذا الارتباك في المغرب في السنوات الأخيرة، عندما سجل تأخر كبير في مشاريع الماء، وتطلب الأمر تدخلا ملكيا، وانكبت الحكومة على إنجاز مشروع الربط بين الأحواض، ومحطات تحلية المياه، فماذا لو تساقطت الأمطار وسجلنا سنة عادية هل كنا لنعلن حالة استنفار في الماء؟ واضع سياسة البلاد في الماء، ستنتابه الشكوك مرة أخرى هذه الأيام، بسبب التساقطات المهمة المسجلة، فهل سيتم توجيه جزء من ميزانية مشاريع الماء إلى أولويات أخرى، وهل سيكون الاستثمار في التحلية وربط الأحواض مفيدا واستراتيجيا إذا عادت الأمطار، ومرت هذه المرحلة الحرجة. التجارب العالمية في تدبير إشكالية الماء ومحاربة الجفاف، قليلة جدا، والنماذج الموجودة تختلف تماما عن واقع المغرب، كما أن الدول الغنية والمتقدمة لا تعاني الجفاف، باستثناء إسرائيل والسعودية اللتين نفذتا مشاريع مهمة في هذا المجال، ورغم ذلك هناك اختلافات كبيرة بينها وبين المغرب. في إسبانيا الوضع مختلف تماما، فالدولة المعروفة بالسدود والنشاط الفلاحي، شرعت أخيرا في تفكيك عدد من سدودها، في وقت ما يزال المغرب يستثمر في بناء السدود، إذ فككت إسبانيا إلى حدود 2022 أزيد من 100 سد، وفككت أوربا 239 سدا وحاجزا مائيا. وإذا كانت إسبانيا دولة مجتهدة في تفكيك سدودها، فإنها عاشت في الأشهر الأخيرة أعنف الفيضانات، والتي تسببت في خسائر غير مسبوقة، وهو ما أعاد تفكيك السدود إلى الأذهان، إذ أن المياه في الأنهار لم تعد تجد حواجز أمامها، ما يحولها إلى سلاح يسحق كل ما يعترض طريقه. الغريب في الأمر أن تفكيك إسبانيا لسدودها، سببه المباشر هو الأسماك المهاجرة، إذ أن السدود على مجرى الأنهار تعيق حياة الأسماك وتؤثر على صحتها، لأن المياه الراكدة خلف السدود تتحول إلى ما يشبه أحواضا ساخنة مميتة لبعض الأسماك. وليست إسبانيا وحدها المنخرطة في هدم سدودها من أجل الأسماك المهاجرة، بل جل الدول الكبرى في أوربا، لإرضاء تيارات سياسية بيئية. كل هذه الرؤى والأفكار المتباينة جعلتنا نتعاطف مع العقل الاستراتيجي المغربي، الذي مهما كان علمه وتجربته ستبقى دائما الشكوك تساوره حول جدوى أي سياسة يتخذها لمعالجة إشكالية الماء والجفاف.