الفنان المغربي إدريس الروخ قال لـ"الصباح" إنه مازال يعمل مع المخرجين ممثلا مبتدئا تشرع القناة الأولى ابتداء من الأسبوع الجاري في بث المسلسل الجديد "دار الغزلان" الذي يحمل توقيع المخرج والممثل إدريس الروخ. عن هذه التجربة وأبعادها والجديد الذي تحمله على مستوى الرؤية الإخراجية، يخص الفنان المغربي "الصباح" بهذا الحوار، الذي يكشف فيه بعض التفاصيل الخاصة بهذا العمل التلفزيوني الذي شاءت الأقدار أن يكون آخر عمل يشارك فيه الممثل الراحل محمد بسطاوي، كما يتحدث الروخ عن مجموعة من المواضيع تتصل برؤيته للفرق بين السينما والتلفزيون والخطاب النقدي الفني وأشياء أخرى تجدونها في هذا الحوار. < ما الذي يمكن أن تقوله لنا بخصوص مسلسل "دار الغزلان" الذي توليت إخراجه؟ ما الذي تعنيه لك هذه التجربة وما الجديد فيها على مستوى الرؤية الإخراجية؟ < هذا المسلسل هو تجربة تدخل في إطار البحث عن فرجة مغايرة عن تلك التي تعود عليها المغاربة خصوصا في رمضان، خاصة أنه بدأنا نشاهد في السنوات الأخيرة إقبالا كبيرا على الدراما التلفزيونية في رمضان، لكن في الأشهر الأخرى نعيش فراغا في المشاهدة والإنتاجات التلفزيونية، وتبين أيضا أن المشاهد المغربي متعطش للإنتاج الدرامي الوطني، خاصة أنه يتم تركيز كل المجهودات على شهر واحد في السنة، وهذا خسارة للمبدع والتقني والمشاهدين والتلفزيون، إذ من المفروض أن تكون الإنتاجات التلفزيونية الوطنية حاضرة على مدار السنة، وبالتالي كانت هذه التجربة مهمة بالنسبة إلي جدا، أن نبحث عن إطار جديد للاشتغال في ظل ما يسمى دفاتر التحملات التي رغم المشاكل الذي اعترتها، إلا أنها وضعت أصبعها على مشكل جوهري، وهو كيفية الاشتغال بشكل صحيح يؤسس لدراما تلفزيونية مغربية تترسخ عند المشاهد المغربي والابتعاد عن نمطية الدراما المستوردة، لذا كان بالنسبة إلي هذا العمل يسير في هذا السياق بشكل جدي من خلال استقطاب عدد كبير من النجوم المغاربة واللائحة طويلة في هذا المجال منهم الشباب والمخضرمون، أما الجانب الآخر فهو الانفتاح على فضاءات وأماكن بعيدة عن المركز للتصوير، إذ ركزنا أكثر على أصيلة وكانت فرصة بالنسبة إلينا لاكتشاف وتقريب عوالم هذه المدينة من المتلقي، خاصة أن المغرب زاخر بثرواته الطبيعية ومؤهلاته السياحية وبأهله، الجانب الثالث متعلق بفتح سوق للاشتغال خارج رمضان. < من التيمات التي اشتغلت عليها في المسلسل هناك الانتخابات البلدية، هل الاشتغال على هذا الموضوع مجرد مصادفة أم أنها كانت مقصودة؟ < يمكن أن تكون صدفة مرغوبا فيها، ومن حسن الصدف أن يأتي هذا العمل مع ما سيعرفه المغرب من حركية انتخابية استعدادا للاستحقاقات المقبلة، لكننا تناولنا الموضوع في جانبه المتعلق بالعالم القروي، لم نذكر المنطقة ولا الجهة ولا الأحزاب، سعينا إلى أن نظل محايدين لا ننتمي إلا إلى وجهة نظر المغربي عموما حول ما يؤسسه الدفاع عن حقه في الترشح أو اختيار من يراه مناسبا لذلك، كما ترصد ما يرافق العملية الانتخابية من سلوكات غير مقبولة مثل الانتهازية والرشوة والرغبة في استمالة الناخبين بكافة الطرق المشروعة وغير المشروعة. < الاشتغال على موضوع الانتخابات الجماعية نوع من الاقتراب من السياسة، ألا تلاحظ معي أن علاقة الفنانين المغاربة بالسياسة غامضة وملتبسة؟ < في الحقيقة لا خوف من السياسة ما دمنا نتحدث عن ما يمسنا يوميا من أشياء قد تضر بصحة الوطن والمجتمع، بالرغم من أنه في بعض الأحيان يبتعد الفنان عن السياسة فنحن نقع فيها، فليس بالضرورة أن تنشرها في عريضة وتقول أنا سياسي، لكن يجب أن نكون شجعان وصرحاء مع أنفسنا، وتكون للفنان وجهة نظر في السياسة، وحتى ولو كان سياسيا فلا ضير في الأمر، لكن على الأقل أن تكون لديه الشجاعة الكافية، ويلتقط بحس إبداعي ما يعيشه المواطن المغربي ويخلع على خطابه الفني مضمونا اجتماعيا، ويوجه اشتغاله الفني تجاه قضايا معينة. < شاءت الظروف أن يكون مسلسل “دار الغزلان” آخر عمل شارك فيه الراحل محمد بسطاوي ما هي رمزية هذه المسألة بالنسبة إليك؟ < الراحل بسطاوي هرم فني أعماله تتحدث عنه باستمرار، كبير وشامخ في أدائه وقوي في تعبيراته، دائما أعتبره ما زال حيا بيننا، وهذا العمل لسوء حظنا ممثلين وتقنيين ومخرجين وكتابا، أننا افتقدنا رمزا من رموز الفن والإبداع في هذا البلد، لسوء حظنا أننا لن نجد مثيلا له، عايشت معه من خلال هذا العمل معاناته مع المرض وإحساسه بقرب النهاية، وصعب جدا أن تكتشف هذا الأمر عن قرب، وبالقدر الذي أعتز بمشاركة اسم من حجم محمد بسطاوي في هذا العمل، بالقدر نفسه الذي أشعر فيه بحزن كبير وبأن بسطاوي لم يكتب له أن يشاهد معنا هذا العمل، وكانت ستجمعنا أعمال أخرى منها مسلسل جديد أحضر له كان مقررا أن يلعب إحدى بطولاته. < انتقلت من التمثيل إلى الإخراج.. ماذا ربحت من هذه العملية وماذا خسرت؟ < المسألة قد لا تتعلق بالربح والخسارة بقدر ما تتعلق بتطور داخلي ونوع من النضج، وفتح أبواب أخرى للنظر إلى العالم من زوايا أخرى، نحن لا نتحول من التمثيل إلى الإخراج، نحن فقط، في اعتقادي، نتدرج شيئا فشيئا في ما نكتسبه من خبرات، ونتعلم ونكتشف ونرى، فمنذ بداياتي الأولى في المجال الفني كان هناك رسم وتخطيط لمستقبل معين، فالتمثيل هو حرفتي وحياتي ورغبتي، لكن معنويات التمثيل كانت ترتفع عندي يوما بعد يوم، وهذا يتجلى من خلال العديد من المسرحيات التي أخرجتها في ما قبل، وقبل أن ألج عوالم التلفزيون والسينما، وربما اشتغالي مساعدا لمخرجين وبحثي عن الخبرة والتعلم في مدارس مختلفة في السويد وفرنسا وإيطاليا وهولندا وتونس ومصر والأردن، والأساتذة الذين تعلمت عليهم، المغاربة منهم على وجه الخصوص، كلها ساهمت في أن أتدرج بشكل بطيء وصحيح، لكي أصل فقط إلى مستوى رؤية العالم من زاوية أخرى، خلف الكاميرا وليس أمامها، كنت هناك وأنا الآن هنا، وربما أنتقل بين هذين المنطقتين بشكل سلس وبسيط، وأحرص على المزاوجة بين التمثيل والإخراج، ولا أجد حرجا في الاشتغال مجددا ممثلا تحت إمرة مخرجين آخرين، لأن من شيم الممثل المحترف أن يكون “رأسه صغيرا” كما نقول بالتعبير الدارج، فلم يسبق لي أن اشتغلت مع مخرج، مبتدئا كان أو مخضرما، إلا وأضع لنفسي حدودا لا أتعداها وهي أن أكون تحت إمرته أتلقى توجيهاته دون أدنى مشكل ودون استحضار أنني أيضا مارست الإخراج، بل أشتغل معه ممثلا مبتدئا. < علاقتك بالنقد السينمائي والفني لم تكن جيدة في الكثير من الأحوال؟ < النقد الفني بالمغرب عاش مجموعة من المطبات، إذ فقدنا نقادا مغاربة أكفاء منهم محمد سكري ونور الدين كشطي ومحمد الدهان، وهناك نقاد شباب نكتشف عطاءاتهم، من خلال ما يكتبون، لكن لحد الآن ما زالت الحركة النقدية لم تقدم الشيء الكثير، هناك نقاد معدودون على رؤوس الأصابع ممن استطاعوا أن يقدموا لنا نقدا صريحا على مستوى الكتابات، ونحترمهم لأنهم على الأقل استطاعوا أن يتجاوزوا تلك الصورة النمطية للناقد الذي يعبر عن انطباعات بدل أن يعبر عن أفكار ومقترحات، وعن فهم صحيح صادر عن دراسة وبحث، مبني على أسس نقدية متعارف عليها يعطينا تصحيحا لما هو سائد، وأعترف أنه في بعض الأحيان أطرح تساؤلات غريبة حول مفهوم النقد، وما الفرق بينه وبين الانطباع، وأنا مع النقد عندما يكون بناءا وموضوعيا ومؤسسا، وليس بالضرورة إيجابيا أو سلبيا. < تزاوج في الاشتغال بين التلفزيون والسينما، كيف ترسم الفرق بين هذين المجالين؟ < عندما تشتغل في التلفزيون فأنت تشتغل على إطارات معينة، تعبيراتك تكون مقيدة بشكل مؤطر له، لأن التلفزيون مفتوح على أكبر شريحة من الناس، أما السينما فعكس ذلك فهي ليست مفتوحة على كل العالم، بل هي مفتوحة بتذاكر وبتنقلات واستعدادات نفسية للتوجه إليها، لكنها شاسعة وأوسع في تعبيراتها وفي مفاهيمها وحتى في طريقة تناولها، السينما تعطيك حرية في التعبير والتناول، ولكنها على مستوى الفرجة والانتشار فهي محدودة، مثلا في المغرب حسب الإحصائيات لا يتعدى تذاكر الأفلام، سواء مغربية أو أجنبية، 3 ملايين تذكرة في السنة، في السبعينات كانت تصل إلى 50 مليون تذكرة، وبالتالي مفهوم فرجة سينمائية أصبح ضيقا، في حين التلفزيون تعزز حضوره، إذ يمكن تجد مسلسلا في رمضان قد يحصل على أزيد من عشرة ملايين مشاهد في الليلة الواحدة. < ما هو الجديد الذي تحضر له؟ < مسلسل جديد هو “حبال الريح” تاريخي ألفه توفيق حماني، وسبق لي أن اشتغلت معه في شريط “بوغابة”، إذ سيكون المسلسل على المنوال نفسه، وباللغة نفسها، وبنمط فانتازي يشتغل على تاريخ محدد، يمتاز باللازمان واللامكان، مسلسل اشتغل فيه بلغة مغايرة، سأزاوج فيه بين الإخراج والتمثيل، إلى جانب الممثل محمد خيي ويضم 104 ممثلين، وسيصور في خمس مدن، سيكون مغامرة مختلفة على مستوى الطرح والاشتغال والأدوات التقنية، وأيضا طريقة أداء الممثلين، لكي نمنح فرجة مغايرة للمشاهد المغربي، ونقرب الأعمال التلفزيونية من الأسلوب السينمائي، فأن ترى السينما في التلفزيون أحسن طريقة لمصالحة المتلقي مع الفن السابع. التلفزيون يخضعنا لمنطق الاستهلاك < هناك بعض الأعمال التلفزيونية التي اشتغلت عليها اتسمت بنوع من السطحية؟ < أحببنا أم كرهنا، التلفزيون لا يمنحك تلك المساحة للتعبير والتفكير والوقت للنضج في الاشتغال، إذ غالبا ما نشتغل في عجلة من أمرنا ونخضع في الكثير من الأحيان لمنطق استهلاكي محض، عكس السينما، لكن هذا لا يمنع من أن هناك أعمالا تلفزيونية مثلت فيها أو اشتغلنا من خلالها بأسلوب سينمائي متأن من حيث لغة اللقطة وإدارة الممثل. أجرى الحوار: عزيز المجدوب