بقلم: يونس مجاهد معضلة أخلاقيات الصحافة والنشر، ليست جديدة، بل إنها طرحت منذ أن تطورت الصحافة واحتلت مكانتها، في المجتمعات الديمقراطية، إذ بدا واضحا أن هذه المهنة، كما هو الشأن بالنسبة إلى مهن أخرى، تحتاج إلى مراقبة ذاتية، تسهر على احترامها لأخلاقيات الكتابة والتعبير، فكانت النقابة الوطنية للصحافيين بفرنسا، أول من وضع ميثاقا للأخلاقيات في 1918، أي قبل قرن من الزمان، وتبعتها عدة نقابات أوربية أخرى للصحافيين، إلى أن تبنت الفدرالية الدولية للصحافيين، ميثاقا عالميا لأخلاقيات الصحافة في 1954. غير أن هذه المبادرات لم تتوقف عند اعتماد ميثاق لأخلاقيات الصحافة، بل تم تعزيزها بإحداث مجالس وطنية للأخلاقيات، في العديد من البلدان الديمقراطية، حيث تشكلت من نقابات الصحافيين وجمعيات الناشرين، وهيآت للتنظيم الذاتي، بمساهمة ممثلين عن الجمهور، ومن شخصيات حقوقية ومثقفين، وفي بعض الأحيان بمشاركة ممثلين عن السلطات القضائية. وتنطلق فلسفة هذه الهيآت من فكرة أساسية؛ هي أن من ينبغي أن يسهر على أخلاقيات الصحافة هي المنظمات المهنية، أولا. لذلك تنتدب لهذه المجالس حكماء يتمتعون بالخبرة والكفاءة والنزاهة، وتدرج ميثاق الأخلاقيات في وثائقها الأساسية، شرطا من شروط عضوية منخرطيها. وهو المنهج الذي اعتمدته النقابة الوطنية للصحافة المغربية، في مؤتمرها الثاني، في 1993، إذ صوت المؤتمرون على ميثاق للأخلاقيات، من تسعة مبادئ، ليوضع على ظهر بطاقة الانخراط، ويصبح احترامه شرطا من شروط العضوية. كان الهدف من وراء هذه الخطوة أن يعطي أعضاء النقابة المثال، في التزامهم بسمو المهنة ونبل سلوكها، في إطار مسؤوليتهم الاجتماعية، التي تفرض عليهم أن يمتنعوا، بالمطلق، عن التشهير بالناس والحط من كرامتهم، وأن يحترموا قواعد الصدق والنزاهة في كل ما يمارسونه في عملهم الصحافي. وفي الحقيقة، كان جيل الصحافيات والصحافيين، الذين عاصروا تلك المرحلة من تاريخ النقابة، متحمسين لهذه المبادئ، بل كانوا يطالبون بقوة، بمواجهة ما سمي آنذاك «صحافة الرصيف»، وقد تجاوبت قيادة النقابة مع هذا المطلب، إذ أسست لجنة آداب مهنة الصحافة، من شخصيات إعلامية ومفكرين، للسهر على هذه المهمة، فاشتغلت اللجنة لوضع ميثاق مفصل، ونظمت ندوات حول أخلاقيات الصحافة. ولم يسلم هذا العمل من التضييق من قبل وزارة الداخلية، آنذاك، إذ اعتبر إدريس البصري، الذي كان يتولى أيضا وزارة الإعلام، في لقاء بقيادة النقابة، أنه ليس من حقها ممارسة «رقابة» على أخلاقيات الصحافة. وبعد هذه التجربة، درست النقابة ما يحدث على الصعيد الدولي واستلهمت منه نموذجا ناجحا، فاقترحت تشكيل هيأة من ممثلين عنها وعن الناشرين وعن منظمات حقوقية، وهو ما لاقى تجاوبا كبيرا، إذ تأسست الهيأة المستقلة لأخلاقيات الصحافة وحرية التعبير، التي كان يترأسها الأستاذ مشيشي العلمي، وضمت في عضويتها حكماء من النساء والرجال، مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة. ووضعت هذه الهيأة ميثاقا للأخلاقيات، هو الذي تبناه المجلس الوطني للصحافة، مع إدخال بعض التعديلات عليه. وواجهت هذه الهيأة، آنذاك، معضلة حقيقية، إذ كان أغلب ممثلي الناشرين يتخلفون عن الاجتماعات للبت في الشكايات، التي تعرض عليها، ما أثر بشكل سلبي على عملها. ولعبت هذه النقابة دورا رئيسيا في الدفاع عن مشروع مجلس وطني للصحافة، وساهمت في تأسيسه، ليكون الملجأ المهني لكل من يطالب بالعدالة والإنصاف، تجاه ممارسات لاأخلاقية في الصحافة، كما هو الشأن في مختلف التجارب الدولية الناجحة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه التجارب تعتمد أساسا على المنظمات المهنية، للصحافيين والناشرين، سندا قويا في احترام الأخلاقيات، لأنها تتشكل من حكمائها، إذ تعتبر هذه المنظمات أن واجبها الأول تحصين مهنة الصحافة تجاه الممارسات المخلة بقواعدها النبيلة. ولم يسجل أبدا، في مختلف هذه التجارب، أو في تاريخ النقابة الوطنية للصحافة المغربية، سابقا، أن انتهك أحد من قياداتها هذه الأخلاقيات، لأن القياديين في مثل هذه المنظمات يعتبرون القدوة، وإلا فإنهم لا يستحقون تحمل المسؤولية، في تنظيمات ينظر إليها المجتمع مثالا في صيانة المهنة وحمايتها. ويمكن القول، في هذا الصدد، إن المجهود الذي بذلته المنظمات المغربية، للصحافيين والناشرين، والوعي العام داخل الجسم الصحافي، مؤشر إيجابي على أن قواعد الأخلاقيات تحظى بالأولوية، وأن الممارسات المخلة بهذه القواعد تظل معزولة ومنبوذة.