بقلم: يونس مجاهد أثارت تصريحات رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حول موقف هذه الهيأة من قضية الصحراء المغربية، ردود أفعال مختلفة، حيث انتقدت في أغلبيتها الساحقة الموقف المعبر عنه. ويبدو من خلال التعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي، أن هناك من كان غير مطلع على موقف هذه الجمعية، من قبل، حيث اكتشفه مع التصريح المذكور. غير أن ما تم التعبير عنه من قبل الرئيس الحالي، ليس جديدا، فهو موقف تم تبنيه منذ أن هيمن على هذه الجمعية، تيار سياسي، يعتبر أن الصحراء ليست مغربية. فقد تم تأسيس الجمعية، سنة 1979، من قبل مناضلين يساريين، ينتمي أغلبهم للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وترأسها آنذاك الأستاذ علي أومليل. غير أن الصراع الذي عرفه هذا الحزب، والذي أدى إلى ميلاد حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي، كان له تأثير في المسار والتطورات التي عرفتها هذه الهيأة. فقد غادرها أعضاء الاتحاد الاشتراكي، بينما استمر فيها أعضاء حزب الطليعة، إلى جانب تيارات أخرى من اليسار. وقد شهدت الساحة الحقوقية ميلاد هيأة حقوقية جديدة، في 1989، تأسست بمساهمة فاعلة من الاتحاد الاشتراكي، وبدعم من المناضل عبد الرحمن اليوسفي، رفقة أحزاب أخرى من اليسار، وبمشاركة عدد من الشخصيات، من أمثال عمر عزيمان، والمهدي المنجرة، وفاطمة المرنيسي، وغيرهم. وكان المشروع هو تأسيس تجربة جديدة، مع شخصيات غير منتمية حزبيا، قصد التركيز على المقاربة الحقوقية، وتجنب المقاربة السياسية الحزبية، في خطوة واضحة كان الهدف منها عدم تكرار تجربة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي غلب على منهجها التوجه السياسي. استمر هذا التوجه غالبا على مقاربات هذه الجمعية، ما أدى إلى انسحابات من قبل عدد من مناضلي حزب الطليعة ومن تنظيمات أخرى، حيث اتهموا حزب النهج الديمقراطي بالهيمنة على القرارات والمواقف والهياكل. ومن المعلوم أن حزب النهج الديمقراطي هو امتداد لمنظمة إلى الأمام، التي تعتبر أن الصحراء غير مغربية، وتساند المشروع الانفصالي. وانطلاقا من الهيمنة على الجمعية، تم تصريف هذا الموقف السياسي باسم حق تقرير المصير، الذي يتم تقديمه، مبدأ حقوقيا، بينما هو لدى هذه الهيأة موقف سياسي، تبدو تجلياته واضحة في تاريخ تعاملها مع عدة أحداث ووقائع، نذكر من بينها، فقط، التعامل الانتقائي مع التطورات التي تعرفها الأوضاع في الصحراء المغربية، إذ تتخذ الجمعية مواقف المساندة المبدئية، بشكل ممنهج، تجاه كل من يدعي أنه تعرض للقمع والتضييق من قبل السلطات المغربية، في الأقاليم الصحراوية، بينما تلتزم الصمت المطبق حيال عشرات العائدين من مخيمات تندوف، والذين يقدمون شهادات حول تعرضهم للسجن والتعذيب، من قبل الانفصاليين. فالجمعية هنا تتخذ موقفا سياسيا وليس حقوقيا، وتعاملها مع "الصحراوي"، الذي تعرض للقمع على يد الانفصاليين، ليس هو التعامل نفسه مع "الصحراوي"، الذي قال إنه تعرض للقمع من قبل السلطات المغربية، رغم أن الاثنين يوجدان في الصحراء، أي في فضاء تهتم به الجمعية، لكن نهج الكيل بمكيالين، يسود مقاربتها "الحقوقية"، إذ لا يهمها سوى تصريف موقفها السياسي. التصريف السياسي للموقف نفسه اتخذته الجمعية من أحداث "اكديم إيزيك"، إذ ساندت بقوة الأشخاص الذين اتهموا بالقتل والتنكيل بجثث حراس عزل من السلاح، وهو عمل إرهابي، بينما تجاهلت بالمطلق الضحايا وعائلاتهم. وخلال المحاكمة، في الوقت الذي كانت عائلات المتهمين، من جهة، تتظاهر وترفع الصور والشعارات، ومن الجهة الأخرى عائلات الضحايا تتظاهر بالشكل ذاته، لم يخف أعضاء الجمعية، الذين كانوا يتابعون المحاكمة، تعاطفهم مع عائلات المتهمين، متجاهلين بالمرة، عائلات الضحايا، وهو السلوك نفسه، الذي اتخذه الأجانب من كل المنظمات الدولية الحقوقية الذين أتوا لحضور المحاكمة. تتخذ الجمعية مثل هذه المواقف الفجة، باستمرار، ولا تهمها شهادات الطرف الآخر، فما يهمها هو الروايات التي تأتي من الطرف الذي يساير موقفها السياسي، بينما تفترض المقاربة الحقوقية استعراض روايات وشهادات كل الأطراف، وإخضاعها للفحص والتحليل، بطريقة موضوعية ونزيهة، انطلاقا من المعايير والمبادئ والمناهج العلمية والحقوقية المعروفة، وهو الأمر الذي تضرب به هذه الهيأة عرض الحائط، لأنها سياسية وليست حقوقية، فهي لديها رأي مسبق، وتعتبر أن كل ما يمكن أن يورط "النظام المخزني"، ولو كان كذبا وبهتانا، فهو جائز.