بقلم: الفاضل الرقيبي يشهد المتابعون لتطور قضية الصحراء أنها حساسة جدا، في ما يخص المتغيرات الدولية، فسنة 1989، التي سقط فيها جدار برلين، وما رافقها من تغيير في المعادلة الدولية، كانت السنة التي انتهت فيها "بوليساريو"، فعليا، وتحولت من حركة مسلحة إلى حزب جزائري يخدم المصالح والأجندات الجزائرية. كما أنها عانت نزيفا حادا على مستوى الإطارات، خصوصا الصف الأول من القيادة، الذي التحق جزء كبير منه في السنة نفسها بالمغرب، معلنا فشل المقاربة العسكرية للقضية، لذلك، فإن سقوط بشار الأسد وانهيار حزب الله، أشد على تنظيم "بوليساريو" من انهيار جدار برلين، فالحديث هنا عن شريان دعم إستراتيجي بالنسبة إلى الحركة، التي فقدت جزءا كبيرا من خطوط امتداداتها في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والجزائر، التي تعيش منذ 2019 على وقع تصادم الأجنحة الأمنية، ما ولد انسدادا في الأفق السياسي داخل البلد. وحتى إن ظلت جبهة "بوليساريو" تتنكر لوجود علاقة دعم وإسناد من إيران وحزب الله، فإن الوثائق والأدلة التي وجد بعضها في أرشيف المخابرات السورية، تؤكد يقينا أن النظام في سوريا عمل على ربط علاقات بين إيران وحزب الله، من جهة، و"بوليساريو"، من جهة أخرى، وهو ما يفسر سبب الزيارات المتكررة لوفود أمنية سورية لمخيمات تندوف، خلال الاحتفالات التي تقيمها "بوليساريو"، وحتى المشاركة في المؤتمرات الشعبية التي تقيمها الحركة على الأراضي الجزائرية منذ 1977، كما يسلط الضوء أيضا على ملف مهم جدا ،وهو "التسليح" الذي تحاول الجزائر، بشتى الطرق، التستر عليه، فهي ليست قادرة، بشكل مباشر، على تزويد الجناح العسكري للحركة بأسلحة نوعية، لذلك تلجأ إلى المنظمات الإرهابية، والأذرع الأمنية، كحزب الله، لكي تزود "بوليساريو"، بطريقة غير مباشرة، وتضمن للجزائر عدم التورط، بشكل مباشر، في أي أحداث أمنية في الصحراء مستقبلا، وهو الأمر الذي تفطن له المغرب مبكرا، وأعلن صراحة أنه يحمل الجزائر مسؤولية كل رصاصة في أيدي عناصر "بوليساريو"، لأنها تصلهم عن طريق المطارات والموانئ، وبالتالي هي المسؤول الأول عن أي حدث أمني يمس سلامة التراب المغربي. وبالعودة إلى شكل وطبيعة العلاقات التي ستربط "بوليساريو" وحزب الله اللبناني، بعد سقوط نظام الأسد، فإن الأمر لا يمكن فصل أوله عن آخره، ولابد من معرفة تشعب العلاقة بين الطرفين. فالجزائر حليف تاريخي وإستراتيجي لحزب الله وإيران، التي تقيم علاقات علنية مع "بوليساريو" منذ 1982 وللحركة مكتب بطهران، التي زودت الحركة بمنظومات دفاع جوي وترسانة من مضادات الدروع إبان حرب الصحراء، وكانت إيران جزءا من غرفة عمليات "بوليساريو" إلى جانب كوبا وليبيا والجزائر، كما أن طهران مولت مشاريع تشييد البنى التحتية العسكرية في "تفاريتي" و"أغوينيت"، إذ كانت "بوليساريو" تخزن منظومات دفاعاتها الجوية، وبطبيعة الحال حزب الله هو من كان يقود كل هذه الخطوات، وبإشراف مباشر من خالد نزار، وزير الدفاع الجزائر حينذاك، حسب ما جاء في مذكراته، وهو ما يكرس علاقة معقدة وقديمة، بل ومهمة بالنسبة إلى تماسك منظومة القيادة والسيطرة في تندوف. كما أن هناك معلومات تسربت من داخل" بوليساريو" تشير إلى أن هناك مجموعة مكونة من 107 عناصر من" بوليساريو" توجهت إلى "كرمانشاه" الإيرانية، للتدريب على تصنيع المسيرات واستعمال المضادات الجوية، ولا يعرف، حتى اللحظة، مصير تلك المجموعة، في ظل تناسل إشاعات تقول إنهم ألحقوا بالقوات الإيرانية في سوريا، قبيل سقوط الأسد، بل هناك من يتحدث عن أسرهم من قبل قوات المعارضة. لذلك، فإنه من المبكر الحديث عن إمكانية استمرار العلاقة مع شيعة لبنان، وهناك من سكان المخيمات من يظن أن إيران قد تستبدل حزب الله بأنصار الله الحوثيين في اليمن، في ما يخص دعم "بوليساريو"، لعلها تجد موطئ قدم في منطقة شمال إفريقيا. ويكشف سقوط نظام بشار الأسد وتراجع دور حزب الله في المنطقة، بعد الضربات القاتلة التي تلقاها، عن هشاشة محور دعم "بوليساريو"، فهذه ليست المرة الأولى التي نشاهد فيها حلفاء الجزائر وجمهورية تندوف يتهاوون، فأين هو القذافي وموغابي وهوغو تشافيز وكذلك عائلة كاسترو، وغيرهم من الزعامات الإفريقية التي راهنت على مشروع "بوليساريو"، قبل أن تجد نفسها في كومة من الأزمات الداخلية التي عصفت بها من جذورها، وهو الأمر الذي سينطبق حتما على نظام الجزائر إن لم يعد إلى رشده؟