بقلم: الفاضل الرقيبي في كل مرة تحاول الجزائر تصدير صورة مغلوطة عن واقع الحياة المذل في مخيمات تندوف، تتفجر الحقيقة المأساوية التي يعيش على وقعها الصحراويون على أرض لحمادة، لتبرز معها، إلى السطح، معالم البؤس والحرمان من أبسط الحقوق، التي ليست العراقيل والإجراءات المجحفة التي تطبقها السلطات العسكرية على حرية التنقل، سوى أحد تمظهراتها. ولعل اندلاع موجة الاحتجاجات الأخيرة أمام بوابة العبور البري إلى موريتانيا، واحدة من أشد حلقات التضييق الممنهج من قبل الجيش الجزائري، الذي يريد، ضدا على إرادة الصحراويين، الإبقاء على مخيمات الذل والعار، تحت سيطرة عصابة الرابوني وعرابيها بثكنة بن عكنون. فقضية الصحراويين مع حرية التنقل، ليست وليدة اليوم، بل هي قصة معاناة يواجهها هؤلاء الذين يحاولون البحث عن لقمة عيش خارج أسوار المخيمات، عبر سعيهم إلى كسر واقع الاحتجاز، الذي تفرضه عليهم "بوليساريو" ومعها حرس الحدود الجزائري. فالقيود المفروضة على الداخل والخارج من المخيمات، تجعلها بالفعل منطقة محاصرة، بتخطيط وتدبير من السلطات الجزائرية، وتنفيذ مباشر من ميلشيات "بوليساريو" وأفراد الجيش الذين يأتمرون بأمر مكتب التنسيق العسكري بتندوف. فمنذ إنشاء المخيمات، أقامت السلطات الجزائرية طريقا واحدا فقط يؤدي للمخيمات، ووضعت عليه ما يعرف بـ "نقطة العبور 75"، التي يديرها مسؤولون عسكريون جزائريون، يمنحون إذن الخروج أو الدخول، لمن لا تشكل تنقلاته خطرا على مخططاتهم الرامية إلى الإبقاء على سكان المخيمات تحت السيطرة، ولمن يوافق هوى قيادة "بوليساريو". يفرض هذا الواقع على بعض الصحراويين الخضوع لإملاءات أخرى، من قبيل دفع الرشوة والابتزاز، وغيرهما من الأساليب المهينة، لكي يتمكنوا من الحصول على إذن مشروط للعبور، وهم الذين يعلمون جيدا مصير من يعارض تلك الإجراءات. فهناك العشرات من المعتقلين، فقط بسبب رفضهم دفع رشوة لضابط جزائري، إذ تقدر إحصائيات من داخل المخيمات نفسها أن ضحايا ملف حرية التنقل، يتعدى عددهم 500 شخص، من بينهم الكثير من الشباب الصحراويين الذين يقبعون في السجن، وآخرون لقوا حتفهم في عدة حوادث على يد الجيش الجزائري، كان آخرها شتنبر الماضي، حين أطلقت عناصر من حرس الحدود الجزائري النار مباشرة على أشخاص حاولوا العبور من فوق الأحزمة الرملية التي تحاصر المخيمات، وقبل ذلك، في يوليوز الماضي، وجهت دورية من الجيش الجزائري أسلحتها صوب تجمع للشباب في منطقة قريبة من نقطة مراقبة تابعة لـ "بوليساريو"، ما أدى إلى مقتل ثلاثة، واقتياد الآخرين إلى سجن "العبادلة". كما يتدخل قادة "بوليساريو"، بشكل كبير، في منح تصاريح التنقل، سواء في اتجاه الداخل الجزائري، أو نحو دول أخرى، وهم في الوقت نفسه يعرضون كل من يعبر عن انتقادات أو آراء مخالفة لمشروعهم السياسي، للحرمان من حرية التنقل، وسيلة للضغط. يذكر أن ما يسمى وزير داخلية "بوليساريو"، إبراهيم بيلة، الذي توكل له الجبهة ضبط لوائح طالبي تراخيص الخروج من المخيمات، ثبت تورطه في ابتزاز العديد من التجار والأشخاص، حتى وصل به الأمر، في مرات عديدة، إلى إجبارهم على نقل شحنات من المخدرات داخل بضائعهم، مقابل التدخل لمنحهم تراخيص الخروج. يشار إلى أن ابراهيم غالي توعد، في وقت سابق من هذه السنة، أمام مكتب أمانة الرابوني، بأنه سيعمل على قطع كل المنافذ من المخيم وإليه، مؤكدا أن الانفتاح الذي شهدته المخيمات خلال سنوات ماضية، هو الذي سبب انهيار شعبية تنظيمه، إذ اعتبر أن ممارسة الصحراويين للأنشطة التجارية جعلتهم خارج وصاية الحركة، الأمر الذي أحدث ندية واضحة، ورفضا لدعاية "بوليساريو" الداخلية، وهو ما دفعه فعلا إلى إعطاء تعليمات صارمة، في شكل حزمة تضييقات أمنية، ترمي إلى الحد من حركية الصحراويين، لإجبارهم على الخضوع والرضوخ لأجندة الرابوني، فيما يعتبره غالي فرصة لإعادة القبضة الحديدية، لكي لا ينفرط عقد المخيمات، التي بات الصحراويون مقتنعين بأن بقاءهم فيها ليس سوى مسألة وقت.