< د. خالد الحري طغى "الشناقة" وتجبروا، في جميع الميادين والمجالات، وأصبحت لهم مواقع نفوذ، ومراكز قوة وتخطيط إستراتيجي، وأجندة أهداف وآليات إنجاز ونتائج، عنوانها البارز، إحداث أكبر قدر ممكن من التخريب في جيوب البسطاء وغير البسطاء. إنها أشبه بحرب ضروس تشنها مجموعة من "السماسرة" والوسطاء، ميدانها مجالات الإنتاج وتوزيع وتسويق المنتجات الغذائية الأساسية، وضحاياها مستهلكون عزل، يخضعون إلى الإكراه المادي والمعنوي في الأسواق الشعبية والفضاءات التجارية الكبرى، من خلال سلسلة غير منقطعة من الزيادات في الأسعار، دون مبرر، أو شرح في كثير من الأحيان. في السابق، كان "الشناقة" يتحينون الفرص والمناسبات والأعياد الدينية لتحويلها إلى "غنيمة"، يساعدهم في ذلك نظام متأصل من "اللهطة"، المعشش في قلوب المستهلكين. أما اليوم، فقد أضحت كل الأيام "همزة" بالنسبة إليهم، وفرصة ذهبية للربح السريع ومراكمة الثروات وتشكيل لوبي قوي من هذه الفئة، التي لا تملك أي شيء آخر، غير هواتف ذكية لتسيير العمليات من المقاهي وفنادق خمسة نجوم ومن المنتجعات. والخوف كل الخوف أن ننتقل من مجرد حالات معزولة إلى ما يشبه الظاهرة، أو الآفة الخطيرة التي تضع الاقتصاد الوطني برمته على المحك، وفي طليعته القدرة الشرائية للمواطنين، وتهديد الأمن الغذائي ومعه كثير من ركائز السلم الاجتماعي، الذي يبذل المغرب مجهودات جبارة واستثنائية ويضخ تمويلات ضخمة، من أجل الحفاظ عليه. فحين نلاحظ، في هذه الأيام، الفروق الشاسعة بين كلفة إنتاج عدد من المواد الغذائية الأساسية، كما هو مصرح به لدى الجهات الحكومية ذات الاختصاص، وبين السعر الذي يقتني به المواطن، نقول اللهم إن هذا منكر، يراه المسؤولون بأم أعينهم، دون أن يتحركوا لتغييره، ولو بالتنديد والاستنكار والفضح، وهو أضعف الإيمان. ففي اعتقادنا، ليس هناك أي مبرر كي تحطم أسعار اللحوم البيضاء الرقم القياسي، ويصل ثمن الكيلوغرام من الدجاج الحي إلى أكثر من 30 درهما، وقد يزيد عن هذا السعر في محلات البيع بالتقسيط، أو في فضاءات الجزارة بالمساحات التجارية الكبرى. كما لا نرى أي داع، كي يصل سعر الكيلوغرام من السردين، في بلد يطل على بحرين، إلى أرقام خيالية، وتحرم فئات عريضة من المواطنين من تناول وجبتهم الشعبية المفضلة، إذ كان هذا النوع من السمك "فقرة" أساسية في الموائد المغربية، ويقدم بمختلف الأشكال. في الوقت نفسه، ما هي الظرفية الاقتصادية الخانقة، التي يمر منها المغرب، وتجعل من أسعار الخضر بأنواعها، حتى الأكثر استهلاكا، وأنواعا من الفواكه، وباقي المواد الغذائية الأساسية، ترتفع إلى هذا الحد الذي أضحى معه صرف أجرة ثلاثة أيام (من راتب السميك)، في كيس من الطماطم والبطاطس والجزر وقليل من الموز والتفاح، أمرا معتادا لدى المواطنين من ذوي الدخل المحدود. إن الجواب واضح، ويعرفه الجميع، وطرح في عدد من المرات والمناسبات في مجلسي البرلمان وتداولت فيه الحكومة، ووعدت باتخاذ إجراءات، دون أن نصل إلى أي نتيجة. للأسف الشديد، مازال "الشناقة" يمسكون بزمام الأمور، وينفذون "مخططهم الأسود"، ويستمرون في التخريب، علما أن هناك أدوات متطورة تكنولوجيا، اليوم، تمكن من ضبطهم والوصول إليهم. لكن، ربما لا تتوفر الإرادة اللازمة لذلك. الآن على الأقل.