دعه يعمل... دعه يعمل دعه يمر، عبارة تعود إلى منتصف القرن الثامن عشر، وتعتبر من المبادئ الأساسية التي ينبني عليها الاقتصاد الليبرالي، وتعني ضمان حرية المبادرة الفردية و الولوج إلى الأسواق، لكي تعمل ميكانيزمات السوق باستقلالية تامة عن أي تدخل للدولة، لضمان توظيف أمثل للموارد، وإحداث مزيد من الثروات. ويتعين على الدولة منح المستثمر والراغب في الولوج إلى السوق حرية تامة ليختار كيف يوظف رؤوس أمواله، وأن يكون على قدم المساواة مع باقي المتدخلين، دون أن تتدخل أي جهة. واستطاعت الدول التي كانت مهدا لهذه المبادئ، أن تراكم بالفعل، إنتاج الثروات وتحقق نموا اقتصاديا مهما وأن تحسن مستوى عيش سكانها، وهي التي يطلق عليها حاليا الدول المتقدمة، إذ استطاعت، من خلال ضمان حرية المبادرة الفردية، أن تحقق الإقلاع الاقتصادي والاجتماعي وتحتل حاليا مكانة الريادة، سواء على المستوى الاقتصادي، أو المالي، أو السياسي والاجتماعي، أو العسكري. في المغرب يعمل، أيضا، بمبدأ «دعه يعمل دعه يمر»، لكن ليس في إطار الفلسفة نفسها ولا الأهداف ذاتها، إذ أن تطبيق هذا المبدأ يتم وفق منظور مغاير بل معاكس، و تحول بالنسبة إلى آليات المراقبة والجهات المسؤولة عن التنظيم والتقنين والمراقبة إلى مفهوم آخر، يتمثل في إغماض العين عن مجموعة من النشاطات والسلوكات المنافية للقوانين ولمبادئ اقتصاد السوق، وهو ما يعرف عند العامة ب»عين ميكة»، أي أن تتصرف وكأنك لا ترى شيئا، ورغم علمك بالتجاوزات يجب أن تغمض عينك سواء بمقابل أو مخافة أن تعرض نفسك لمتاهات لا يمكن التنبؤ بما يمكن أن توصلك إليه. وهكذا، أصبحت الأنشطة الاقتصادية غير القانونية تمارس ليس في الظل، ولكن في واضحة النهار وعلى مرأى ومسمع الكل، إذ تحول التزييف وقرصنة الأفكار والإبداعات سواء الفنية أو الصناعية، إلى قطاع قائم بذاته، يكلف الاقتصاد المنظم ملايير الدراهم. وتمثل الأنشطة غير المهيكلة 14 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، دون احتساب القطاع الفلاحي، و10 في المائة من الواردات، ويناهز الناتج الإجمالي لهذه الأنشطة 170 مليار درهم. وتعكس هذه المعطيات وزن القطاع غير المهيكل في الاقتصاد والتحديات التي يطرحها على السلطات العمومية، إذ أن التصدي لهذا النشاط يعني تهديد عشرات الآلاف من مناصب الشغل، مع ما يمثل ذلك من تهديد للسلم الاجتماعي. لذا، تفضل السلطات العمومية التغاضي على هذه الأنشطة لما توفره من مناصب الشغل، ولا تتدخل إلا عندما تقع كارثة، فيتم فتح تحقيقات وتقديم أكباش فداء للمساءلة لامتصاص غضب الشارع، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه، عملا بمقولة «دعه يعمل دعه يمر»، على الطريقة المغربية، بطبيعة الحال. عبد الواحد كنفاوي