عبد الوهاب لاشخم قاض جنائي مختلف احك لنا تفاصيل بدايتكم قاضيا للأحوال الشخصية بمكناس؟ أهم ما يمكن أن يقال عن هذه الفترة، أنني ولجت عالم القضاء قاضيا فرديا، وهو نظام كان معمولا به في تلك الفترة من تاريخ القضاء ببلادنا، بمعنى كان هناك قاض واحد وليس ثلاثة قضاة يشكلون الهيأة، ذلك هو القضاء الجماعي الذي سينهجه القضاء بالمغرب في ما بعد، قبل أن يعود إلى القاضي الفردي مجددا. عندما عينت قاضيا للأحوال الشخصية سنة 1983 فضلت تطبيق فصل في القانون ينص على ضرورة إجراء الصلح في قضايا الأحوال الشخصية، لهذا كنت أقوم بذلك في مكتبي وليس في قاعة جلسات المحكمة، بغرض إبرام الصلح بين الزوج والزوجة دون المرور عبر ردهات المحكمة الابتدائية بمكناس. وقد اعتبرت أن هذه المسطرة، ستؤتي أكلها وتمكن من تحقيق نتائج ايجابية،إذ أنها تعفي من شكليات ومواقف محرجة وضارة بالبوح وبالحميمية، التي هي شرط لتحقيق الصلح بين المتقاضين من الأزواج. ألم يكن تطبيق قناعتكم يتنافى مع مراحل التقاضي الواجب احترامها من جهة، ومع الالتصاق بالتعليمات الذي كان مستحبا آنذاك ويشكل القاعدة في الممارسة القضائية؟ هذه ملاحظة جيدة أشكرك عليها. فالحقيقة أن استقبال المتقاضين في مكتب القاضي لم يكن معمولا به من قبل السادة القضاة في تلك الفترة. ولعل نجاح هذا الإجراء الذي مارسته بغير قليل من الخروج على المعتاد، كان مبرره الفعال والناجع هو أنه غالبا ما كان يحضر المدعي والمدعي عليه إلى المحكمة، وهما في الغالب زوج وزوجة، ليتبين في نهاية المطاف أن نزاعهما قد لا يتعلق بالنفقة أو الحضانة، بل بأشياء أخرى. وربما الأسباب نفسها، التي دفعتني إلى استقبال المتنازعين بمكتبي قصد مناقشة دوافع ومسببات خلافهما ومحاولة إقناعهما بالصلح، بمعنى أننا كنا نناقش المشكل الحقيقي في أفق إيجاد حله عبر إبرام الصلح بعيدا عن ردهات الجلسات العلنية، حتى إنني كنت أستقبل الطرفين بمكتبي دون ارتداء بذلتي المهنية. ألم تقفزوا بذلك على بعض التقاليد الضرورية الواجب تباعها من قبل القاضي، والمتعلقة بارتداء البذلة؟ طبعا، فلا بد أن يرتدي القاضي بذلته المهنية لدى مثول الطرفين المتنازعين أمامه في إحدى مراحل التقاضي، وذلك بهدف وضع مسافة بينه وبين المدعي والمدعى عليه، وهو إجراء ضروري يحدد المسافة والمسؤولية كذلك. لكنني كنت أحرص على الجلوس مع المتقاضين سويا في مقاعد دون تمييز أو الظهور بمظهر القاضي الصارم والمتعجرف، بل كنت أناقش المتنازعين بهدوء وتأن حتى نصل إلى الحل المرضي. والحق أنه غالبا ما كان يتبين لي أن خلاف الزوجين لا يتعلق بالحضانة أو النفقة، بقدر ما يتضح وجود خلافات أدبية بين الزوجين خارج نطاق ما هو معتاد من بينها مشاكل المعاشرة أو المالية على سبيل المثال. وهل كان ضروريا الخروج عن المألوف لإبرام صلح بين زوجين في مكتبك؟ اخترت هذا الأسلوب حتى أصل إلى النتيجة المتوخاة في ظرف وجيز جدا من خلال تقريب وجهات النظر وإبرام الصلح بين الزوجين المتنازعين، قبل تحرير محضر في القضية بعيدا عن قاعة الجلسات. ولا أخفيك سرا أن أغلب قضايا الأحوال الشخصية كانت تنتهي بالصلح في مكتبي وبنسبة ما بين 20 و30 في المائة. هذه الطريقة كما قلت كانت ترفع الحواجز النفسية وتسهل التواصل بين المتقاضين بحضور القاضي الذي يتحول إلى إنسان يمكننا البوح له بالضرر أكثر مما هو "فوق " لا يمكن الوصول إليه وبالتالي البوح له بالمعاناة ومجالات الاختلاف. أجرى الحوار: عيسى الكامحي