الأشغال توالت إلى دقائق معدودة قبل التدشين بتثبيت المصابيح والثريات وصباغة جدران خارجية أشرف صاحبا السمو الملكيين الأميران المولى رشيد وسلطان بن سلمان بن عبد العزيز، مغرب الأربعاء الماضي، بمدينة فاس على افتتاح جامع باب عجيسة واحدا من أهم المآثر التاريخية والدينية بالمدينة العتيقة، بعد ترميمه بتمويل من الأمير السعودي برا بوالدته الأميرة المرحومة سلطانة بنت تركي بن أحمد السديري ونيابة عن أبنائها وأحفادها، بميزانية بلغت 9 ملايين درهم. وحل الأمير السعودي بمطار فاس سايس عصرا قبل أن يتوجه إلى مقر إقامته نحو ساعة ونصف قبل انطلاق حفل تدشين المسجد المرمم بهبة منه وهبها بسبب انبهاره بهذه المعلمة الدينية إثر زيارة سابقة له للعاصمة العلمية، خاصة من حيث هندسته المعمارية والمقاييس المعتمدة في تشييده واحدا من أهم المساجد في العالم الإسلامي والعربي، ويشكل موروثا تاريخيا يجب أن يولاه الاهتمام اللازم. ويأتي افتتاح هذا المسجد الذي يعتبر من بين المساجد التي أمر الملك محمد السادس بفتحها لاستقبال المصلين خلال رمضان، بعد انتهاء الأشغال به التي دامت نحو 14 شهرا، في إطار مشروع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من تنفيذ وكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، بشراكة مع عدة جهات منها ولاية الجهة ووزارة الثقافة والجماعة الحضرية وشركة المنشآت التراثية السعودية.وحضر التدشين الذي عرف احتياطات مبالغ فيها وصلت إلى درجة منع مصورين معتمدين من ولوج هذا الجامع قبل حضور الأميرين، وفد رسمي بين أعضائه أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، ومحمد الدردوري والي جهة فاس بولمان، ومسؤولين بالجماعة الحضرية ومسؤولي وكالة التنمية ورد الاعتبار لفاس ومنتخبين وممثلي مختلف المصالح الخارجية بالمدينة. وعلى بعد دقائق معدودة من الحفل، شوهد عمال بصدد تثبيت مصابيح وثريات وصباغة بعض جدران الجامع خاصة الخارجية منها قرب صيدلية، ما يوحي أن الأشغال تواصلت إلى اليوم ذاته للتدشين وفتح أبواب المسجد في وجه المصلين على غرار عدة مساجد وجوامع بمدن مختلفة أشرف محسنون مغاربة على ترميمها من مالهم الخاص بعد إغلاقها سابقا لهذا الغرض. وانطلقت أشغال ترميم هذا المسجد الذي يمتد على مساحة مهمة ويسع إلى 660 مصليا ومصلية يستغلون مساحة مخصصة للصلاة تقدر بنحو 500 متبر مربع، في أبريل 2013 قبل انتهائها في يونيو الماضي، بمشاركة مهندسين معماريين وتقنيين لهم تجربة مهمة في مجال ترميم النسيج العتيق، مع الاستعانة بمقاولة متخصصة في البناء التقليدي للحفاظ على كل مكونات المسجد التقليدية. وقبل هذه الالتفاتة التي بصمها الأمير السعودي بهبته، كان الجامع موضع عناية العديد من السلاطين السعديين والعلويين، إذ أقام السلطان العلوي محمد بن عبد الله في القرن 18 مدرسة باب عجيسة المجاورة للمسجد، وبأمر من صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني، حظيت هذه المدرسة بإصلاحات وترميمات على غرار ما خضعت له في عهده، مدارس تاريخية على امتداد تراب الوطن. وسبق لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن قوت هياكل الجامع الذي يعتبر من أهم المآثر التاريخية بالمدينة العتيقة لفاس إلى جانب مساجد أخرى من قبيل جامعي القرويين والأندلس، وكذا أرضيته في وقت سابق، وعمدت إلى إصلاح قببه وصحنه وكل الفضاءات الداخلية والسطوح، على غرار مبادرات سابقة شملته بالإصلاح على عهد المغفور له محمد الخامس والسلطان المولى إسماعيل. وتشير المصادر التاريخية إلى أن مدرسة باب عجيسة أسست على يد الوطاسيين سنة 840 للهجرة بجانب باب عجيسة الذي يعتبر من أهم مآثر بنو مرين بعد ترميمه وإصلاحه عما كان عليه الأمر من قبل، حيث اهتم المرينيون ببناء المساجد التي تباينت في قيمتها المعمارية بينها الجامع الأعظم قرب القصر الملكي. وقد قام بترميمها وإصلاحها في ما بعد السلطان محمد بن عبد الله العلوي. ويشكل جامع باب عجيسة والمدرسة المجاورة له، مركبا معماريا دينيا وثقافيا مرينيا يعود بناؤه إلى القرن 15 حسب ما يرجحه العديد من الباحثين، على مساحة تقدر ب1440 مترا مربعا وبه صومعة مربعة الشكل بدون زخارف. ويستمد اسمه من جواره لباب عجيسة التاريخي الذي بناه الأمير الزناتي عجيسة بن دوناس في القرن 10 الميلادي.حميد الأبيض (فاس)