الأولى

حكاية صاحبة “نداء” انسكب شمعا حارقا على كبد الوردي

 

أم فقدت ابنين بمرض التشمع الكبدي واستفادت طفلتها الثالثة من كبد تبرعت به أسرة طفل متوفى

 

كما هي الأفلام الدرامية، التي لا تكتمل فيها النهاية السعيدة إلا بمسحة حزن يأسر قلب المشاهد، ويكسر أمواج هذه السعادة. هكذا هي نهاية حكاية حسناء الطفلة التي أقبلت على الحياة بتشمع كبدي، اكتشفت والدتها، المكلومة في ابنين آخرين، إصابتها به، وهي في الشهر الرابع. تدرجت الطفلة سلالم الحياة العالية بقوى منخورة، وكل ساعة تمر تحمل معها وداعا، قبل أن تتسلق الفتاة يوما جديدا، وتعيش كمعجزة.

وهي تناضل لتعيش بكبد هرم، كان حسن توأم حسناء يتقافز أمامها، ولا يعترض طريق طفولته شبح الموت، الذي كان يهدد حسناء كلما حاولت عيش مغامرات الأطفال وجرأتهم، لذلك تعود مذعورة إلى فراش المرض. في العاشرة وجهت حسناء نداء عبر «فيديو» انسكب شمعا حارقا في كبد الوزير البروفيسور الوردي، الذي أمر بنقلها إلى مستشفى محمد السادس بمراكش، ولفها بقطن العناية الفائقة، «انتقلت إلى هنا للعيش في المستشفى مع ابنتي، لم أحظ يوما بمثل هذه العناية. الكل يعتني بنا، الممرضون، الأطباء، حتى الزوار، كل من عرف قصة ولدي اللذين ماتا بالمرض نفسه، يشفق علي، لأنه ليس سهلا على أم أن تخسر ابنا في الرابعة عشرة من العمر، وقبله ابنا آخر في السابعة»، تقول فاطمة.
ليس سهلا أيضا أن ترى الأم المطلقة، ابنتها المريضة تعاني لعشر سنوات بثوانيها ودقائقها وساعاتها ولياليها الطويلة، «لم أعرف يوما عن جراحة الزرع، وإلا كنت قسمت كبدي على أطفالي»، تضيف فاطمة التي تطير على بساط الفرح، في جو صحو، وسماء صافية، بعد أن استفادت حسناء من زراعة كبد طفل، توفي أخيرا، وتبرعت أسرته بأعضائه لفائدة مرضى آخرين. يغمر الفرح الأم، وهي تصف الحالة التي أضحت عليها ابنتها بعد زراعة الكبد، وتقول بتلقائية، «كلات دانون، وشربات الحليب، الحمد لله»، إلا أن هذه السماء الصافية سرعان ما تتلبد بسحب داكنة، «عشت في المستشفى ستة أشهر، لا أدفع أي سنتيم، لكني لا أستطيع العودة إلى أكادير، بعد أن تخليت عن الغرفة التي كنت أكتريها، يجب أن أبقى في مراكش لتكون حسناء قريبة من الأطباء الذين أجروا لها عملية جراحية».
قبل الانتقال إلى المستشفى كانت فاطمة تعيش في غرفة مكتراة بأكادير، «مرة أبيع البلاطوات للعيالات، ومرة تنخدم في التصبين، وشي مرات خدمت في المقهى بخمس آلاف ريال للسيمانة». تقول فاطمة قبل أن تضيف «تنازلت لطليقي عن النفقة، لأني أعرف وضعيته، إذ كان متزوجا قبلي بامرأة أخرى وله منها أربعة أبناء لم يكن يدفع نفقتهم، وجابت طليقته الأولى المحاكم دون جدوى. لم أرد أن أخوض التجربة نفسها». ما تحتاجه فاطمة اليوم لتكون نهاية فيلمها الدرامي سعيدة، هو محسن يتكفل بإسكانها في مراكش «واخا غير بيت باش نبقى قريبة من الصبيطار»، تقول فاطمة باستجداء.
استفادت حسناء من كبد جديد، لكن حياة هذه الطفلة ستصاب، ابتداء من اليوم الذي تترك فيه المستشفى، بتشمع آخر، وستخرج من الباب الذي فتحه الوزير الوردي، فهل سيتطوع وزير آخر ليفتح بابا آخر يحميها من التشرد؟ «حياتي الآن في مراكش، حتى لو اضطررت إلى المبيت في الأزقة المجاورة للمستشفى». تضحية فاطمة التي مازالت تخطفها أحيانا لحظات حداد فقدان طفلين آخرين، لم تتوقف عند هذا الحد، بل كانت المرأة الأربعينية، تخضع لتمارين رياضية وحمية قاسية داخل مستشفى محمد السادس، من أجل التبرع بجزء من كبدها لابنتها، قبل أن تتبرع أسرة فقدت ابنها بكبده وقرنيتيه وكليتيه لفائدة مرضى آخرين، ضمنهم حسناء.

 

ضحى زين الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق