fbpx
ملف الصباح

الرويسي : النساء مهددات بالاعتقال في أي لحظة

 

الرويسي حذرت من الخلط بين محاربة الاتجار في البشر والمساس بحرية المواطنين

حملت خديجة الرويسي، رئيسة بيت الحكمة والقيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، الحكومة مسؤولية الانزلاقات التي قد تتسبب فيها الأجهزة الأمنية تحت ذريعة محاربة الاتجار في البشر، مشددة على ضرورة الارتكاز على قوانين خاصة، وعدم الارتهان بنصوص قديمة تستعمل مصطلحات عامة وفضفاضة تتحمل تفسيرات متناقضة ، وأن الأمر سيحتاج إلى آليات وأدوات أخرى غير تلك التي يتم اللجوء إليها حاليا.

ما هو موقفكم من الجدل الدائر حاليا بخصوص دوريات الشرطة المخصصة لمراقبة الأخلاق العامة ؟
  مثل هذه الممارسات، ورغم أنها مازالت عبارة عن حالات معزولة، فلا يمكن إلا أن نعبر عن قلقنا تجاهها، على اعتبار أن المقاربات المتبعة من أجل محاربة ظاهرة الاتجار في البشر لا ينبغي أن تعاقب الضحايا، وتترك الرؤوس المدبرة لهذه التجارة التي أضحت تشكل خطرا كبيرا في جل المجتمعات المعاصرة، خاصة تلك التي لم تصل بعد إلى درجة معينة من تكريس الديمقراطية.
كما تجدر الإشارة إلى أن السلطات المعنية ترتكب خطأ كبيرا بهذا الخصوص، فهي تخلط بين محاربة الاتجار في البشر والممارسات المرافقة له، والمساس بحرية المواطنين، خاصة النساء اللواتي يجدن صعوبة بالغة في انتزاع حرية ممارسة حياتهن الشخصية، ويجدن أنفسهن بدون حق في اختيار نمط العيش، سواء من حيث اللباس أو التنقل، بل حتى في طريقة المشي واختيار الأماكن التي يرتدنها. وأمام خطورة هذا الانزلاق، الذي من شأنه أن ينسف كل المكتسبات المحققة في المغرب على مستوى حماية حريات الأفراد في مواجهة قوى رجعية تريد جر البلاد إلى الوراء، نرى أن من الضروري التصدي لها بكل قوة حتى لا نترك لها المجال كي تصبح هي القاعدة.
كما لا يجب أن نفتح المجال أمام تلك القوى التي تريد تعيد طرح المسألة للنقاش العام، على اعتبار أن الأمر  لم يعد مسألة اختلاف في الرؤى والمواقف، بل أصبح فيه خرق للقانون وضرب لحريات المغربيات والمغاربة على حد سواء، وقد تدفع في اتجاه وقوع فتنة داخل المجتمع، وسيادة جو مشحون في عدد من مناطق المغرب، وذلك باعتماد إستراتيجية دعائية تحاول تشويه سمعة بعض المدن والمراكز والقرى وإثارة سكانها ضد كل غريب تحت شعار محاربة الرذيلة.
ونحن نعتبر أن انخراط السلطة العمومية في هذه الممارسات ستكون له تداعيات اجتماعية وأمنية يصعب التحكم في مسارها، على اعتبار أنها ستفتح المجال أمام الاجتهادات الفردية لبعض المسؤولين، ليس بناء على ما يقره القانون، ولكن حسب قناعاتهم الشخصية وميولاتهم وتوجهاتهم الإيديولوجية.
وإذا كانت للدولة إرادة حقيقية في محاربة ظاهرة الاتجار في البشر، خاصة المتعلقة منها بالنساء فعليها أن تعلم أن العملية يجب أن ترتكز على قوانين خاصة، وعدم الارتهان بنصوص قديمة تستعمل مصطلحات عامة وفضفاضة تتحمل تفسيرات متناقضة، وأن الأمر سيحتاج إلى آليات وأدوات أخرى غير تلك التي يتم اللجوء إليها حاليا.
 لكن السلطات الأمنية تبرر تدخلاتها بأنها تستند إلى القوانين الجاري بها العمل، ألا تعتقدون أن الخلل في السلطة التشريعية التي لم تتمكن من ملاءمة العديد من النصوص القانونية ؟
 لا يمكن إنكار وجود تأخر على هذا المستوى، خاصة في ما يتعلق بتنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة التي شددت على ضرروة مراجعة بعض القوانين وملاءمتها مع مقتضيات حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها كونيا، خاصة القانون الجنائي. ومعلوم أن الهيأة طالبت بالتعزيز القانوني للحقوق والحريات الفردية والجماعية  عبر تدقيق المساطر والآليات القضائية القبلية والبعدية الكفيلة بضمان التوازن بين ضرورة توسيع مجالات الحرية وصيانة كرامة الأفراد وحياتهم الخاصة وما يقتضيه مكافحة الإرهاب والحقد والعنف والتمييز بشكل متوازن، تعزيز المراقبة القضائية لما بعد صدور الأحكام، بالإضافة إلى تدقيق سبل تقوية وتأهيل ورفع مستوى التنظيم الذاتي للمؤسسات المهنية، خصوصا ما يتعلق بالأخلاقيات وقواعد السلوك وتسوية المنازعات الداخلية. كل ذلك يعني أن كثيرا من مقتضيات القانون الجنائي والمسطرة الجنائية لم تعد مناسبة، ويجب تغييرها في أقرب وقت لسد الطريق أمام استعمالها للارتداد عن المكتسبات، ذلك أن المجموعة الجنائية المغربية تعود إلى عقود سابقة، وطبيعي أن ترتكز على مقاربات متناقضة مع ما هو معمول به حاليا، على اعتبار أنها موسومة بخرق  حقوق الإنسان والاعتداء على الحريات الفردية والجماعية.
 ما هو سر الممانعة في المساس ببعض البنود القانونية التي تمكنت من الصمود في وجه المراجعات والتعديلات الأخيرة؟
 فعلا تم تعديل بعض المقتضيات كما هو الحال بالنسبة إلى شروط الوضع تحت الحراسة النظرية، مع إضافة اختصاصات إلى النيابة العامة للسهر على احترام التدابير الكفيلة باحترام أنسنة ظروف الاعتقال، وكذلك الشأن بالنسبة إلى ظهير الحريات العامة المعروف بظهير “كل ما من شأنه”، الذي كان يمنح لممثلي الإدارة الترابية سلطة  تقديرية في التصرف في كل ما من شانه الإخلال بالأمن والنظام العام، ويسمح للدولة باعتماد تأويل واسع وفضفاض أصبحت معه ممارسة بعض الحريات إلى حد أصبح التصريح المسبق بمثابة إذن مسبق في عقد الاجتماعات وتنظيم المظاهرات.
ورغم ذلك مازال المغرب في حاجة إلى إصلاح جذري لمجموعته الجنائية بما ينسجم مع ديباجة دستوره الجديد التي تنص على حماية منظومتي حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما، والإسهام في تطويرهما، مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق، وعدم قابليتها للتجزيء، وعلى حظر ومكافحة كل أشكال التمييز بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي، مهما كان، مع جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب تسمو على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة.
وطبعا لا يكفي أن نقول إننا نلتزم بالمواثيق، بل يجب ترجمة احترام حقوق الإنسان على واقع المواطنات والمواطنين، ولا يمكن القيام بذلك دون إجراء مراجعة شاملة للقانون الجنائي والمسطرة الجنائية.
 قد لا يحتمل الوضع الانتظار إلى حين مراجعة القوانين، على اعتبار أن الأمر سيتخذ شكلا حذرا للتجول في حق النساء، ذلك أن وجود امرأة في مقهى أو فندق أو حتى في الشارع العام خارج مدينة إقامتها قرائن اعتقال في حقها؟
 من جهتها تحاول المعارضة القيام بدورها في هذا الإطار، وقد سبق لي أن تقدمت  بمقترح ينطلق من تفعيل مبادئ دستور 2011، واحترام انخراط المغرب في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، خاصة تلك المجرمة للاتجار في البشر، أحد أهم مظاهر انتهاك حقوق الإنسان في الحياة والحرية والتحرر من العبودية، خاصة عند النساء والأطفال كخرق سافر للكرامة الإنسانية وضرب من ضروب الإهانة.
ويستند المقترح على مضمون البروتوكول الخاص بمنع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة، والذي يعرف الاتجار في البشر أنه “تجنيد أشخاص أونقلهم أو تنقيلهم أو إيوائهم أو استقبالهم بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أوالخداع أواستغلال السلطة أو استغلال حالة استضعاف، أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر لغرض الاستغلال.
لكن المستوى القيمي لم تتمكن القوى الحداثية من فرض موقفها، خاصة في ظل تشتت مكونات الحركة الديمقراطية، ونجاح الحزب الأغلبي في تكتيكاته المرتكزة على استعمال الخطاب الأخلاقي للتغطية على إخفاقاته، خاصة مع تحديد موعد الانتخابات المحلية والجهوية  المقبلة.

عودة عقلية القرون الوسطى

  يعني ذلك أنكم تراهنون في المعارضة على أن تتمكن الحكومة الحالية من إنجاز الإصلاحات المتطلبة ؟
 طبعا لسنا متفائلين بهذا الخصوص، والخوف كل الخوف هو أن يكون من يشرف على الحوارات الوطنية المعلقة بإصلاح منظومة العدالة يتصرف بعقلية تنتمي إلى القرون الوسطى، ولا يزعجه أن تظل القوانين المذكورة بعيدة عن فلسفة حقوق الإنسان، الجميع يعلم أن الحزب الأغلبي، الذي يقود الحكومة الحالية جاء من رحم جمعية التوحيد والإصلاح ذات النزعة التحكمية في تعاملها مع قضايا المجتمع، وهي مرجعية حاضرة في عمل الحزب المذكور وداخل جميع الأوراش المفتوحة، وما الجدل التي أثارته دفاتر التحملات الخاصة بالقطاع السمعي وتصريحات وزير الاتصال على حفل القفطان إلا دليلا على ذلك، ومن الطبيعي أن يعود الحزب الأغلبي، في كل مرة يواجه فيها مقاومة القوى الديمقراطي إلى رأسماله الوحيد، وهو الكلام باسم الدين والاستقواء ببعض الفئات، التي ما زالت تبدي ممانعة في وجه مبادئ الديمقراطية والحداثة، والغريب أن تلك الفئات تجاوزت دائرة الفقر والأمية والتهميش لتضم عددا من رموز الليبرالية الاقتصادية، بذريعة أنهم يتبنون برنامج الحزب المذكور دون الانتباه إلى أنه المبادئ التي تؤطر عمله تتناقض بشكل جذري مع المبادئ الديمقراطية.

في سطور          

– من مواليد المدينة القديمة بالبيضاء سنة 1963
– دخلت عالم النضال الحقوقي في سن مبكرة إثر تعرض ثلاثة من إخوتها للاختطاف  
– متزوجة وأم لثلاثة أبناء
– مرت في مسارها الحقوقي من منظمة العفو الدولية والجمعية المغربية لحقوق الانسان ثم منتدى الإنصاف والمصالحة الذي شغلت فيه منصب الكاتب العام سنة 2001
– عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة
– رئيسة بيت الحكمة وعضو مؤسسة لليقظة المواطنة
– منسقة شبكة برلمانيين ضد عقوبة الإعدام 

أجرى الحوار : ياسين قُطيب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى