fbpx
خاص

طنجة بوابة المغرب على العالم

نجمة ساطعة عند ملتقى المتوسط والمحيط الأطلسي وعروس الشمال

بعد فترة من النسيان، استطاعت طنجة أن تنهض من جديد، وتمسح عنها تلك الصورة التي ألصقت بها على مدى سنوات طويلة، لتثبت للعالم أنها استثناء في الإصرار على التشبث بهويتها وموروثها التاريخي والثقافي، وتؤكد أنها قادرة بمؤهلاتها الطبيعية أن تجذب استثمارات هامة وشركات ذات صيت عالمي تجعل منها قطبا اقتصاديا عالميا بامتياز…

طنجة، هي بوابة إستراتيجية هامة للمغرب على دول العالم، وأقرب مدينة إفريقية إلى أوربا، إذ لا يفصلها عن جنوب إسبانيا سوى 14 كيلومترا تعبر بحرا في أقل من نصف ساعة زمنية، وجوا في دقائق معدودة، إذ بحكم موقعها الجغرافي المتميز، اختارها المغرب، لأن تكون قطبا اقتصاديا هاما بالمملكة، ومكنها من مشاريع مهيكلة تطلبت استثمارات ضخمة، وهو واقع يعتبر ثمرة طموح ملكي لجعل المدينة منصة من الطراز الأول في مجالات النقل والصناعة والقطاع اللوجستي، التي دون شك ستعزز تنافسية الاقتصاد الوطني على الصعيد الدولي.
ولعل إنجاز المركب المينائي طنجة المتوسط، الذي بدأ تشغيله في يوليوز 2007 ، ليكون بوابة المملكة على أنشطة الاستيراد والتصدير، من الأسباب التي جعلت شركات ذات صيت عالمي تختار الاستقرار بالمنطقة الشمالية، كمجموعة رونو- نيسان، والشركة الدانماركية العملاقة “ماييرسك”، التي تعتبر أول شركة بحرية، وأكبر ناقل للحاويات في العالم، بالإضافة إلى شركات عالمية لكبار المصنعين.
كما أن برنامج طنجة الكبرى، الذي أعطى صاحب الجلالة انطلاقته في شتنبر السنة الماضية (2013)، والرامي إلى ضمان تنمية مندمجة ومتوازنة وشاملة لمدينة البوغاز، من شأنه أن يساهم في استعادة المدينة ماضيها المجيد، كحاضرة كبرى لطالما كانت منفتحة على العالم، وتعزيز موقعها كوجهة اقتصادية متميزة، إضافة إلى انخراطها في حركية فعالة تتمحور حول التنمية المستدامة.
ويسعى البرنامج إلى الأخذ بعين الاعتبار العناصر الأساسية المهيكلة لمدينة عالمية كبرى، وتتمثل في البيئة الحضرية لضمان جودة الحياة، والبيئة الاجتماعية لتثمين الثروة البشرية، والبيئة الاقتصادية لتطوير مؤهلات وخبرات المدينة، والبيئة الثقافية من أجل ترسيخ الهوية وقيم الانفتاح التي تزخر بها المدينة، مع تعزيز مناخها الروحي لإيلاء ممارسة الشعائر الدينية المكانة اللائقة بها في المجتمع.
وبعيدا عن الضوضاء وعالم المال والاستثمار، حافظت مدينة البحرين على طابعها السياحي، وأكدت أنها مازالت نجمة ساطعة عند ملتقى الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وعروس الشمال التي تستهوي، بشواطئها الساحرة وهدوء ليلها الشاعري، العديد من مشاهير السياسة والاقتصاد والفن والأدب…
ففي طنجة كل شيء يبدأ من البحر، ويؤدي إلى البحر، إذ بوسع زوارها أن يسبحوا صباحا بالمحيط الأطلسي وبعد الزوال بالبحر الأبيض المتوسط، ومن سور “المعكازين” في قلب المدينة، يمكنك الاستمتاع بمنظر البحر، وهو يستمد رونقه من امتداد المياه الخضراء والزرقاء لمضيق جبل طارق، حيث على مرمى العين، تظهر بلاد الأندلس عند مغرب الشمس.
لا تشتهر طنجة بفنادقها الرفيعة وإقاماتها المصنفة وبنياتها التحتية السياحية، فحسب، بل أيضا بما يوفره سكانها للسياح من شقق وغرف معروضة للكراء، وكذا بأسواقها التقليدية العطرة، التي تمتلئ بحشود مختلفة من البشر، كسوق “كاسبراطا” و”الفندق” (بفتح الفاء) و”السوق الكبير” المحبب إلى “بول بولز”، الذي تمتزج فيه أصوات بائعات بدويات يتميزن بقبعاتهن المزينة بألوان الثمار، ويقدمن للزوار حفلة موسيقية تجسد الموروث الخفي الذي كانت فيه طنجة، خلال القرن الماضي، منطقة دولية.
وعلى بعد عشرة كيلومترات شرق المدينة، عبر طريق ساحلية جبلية مكسوة بأشجار الككتوس وبلوط الفليط، تجد رأس “مالباطا”، الذي يبدو منه منظر البحر وطنجة والمضيق كأنه جمعا نداء إلى اللامنتهى.
أما إذا حولت الاتجاه نحو الشمال الغربي من مدينة البوغاز، وسلكت مسارا جبليا جميلا ملتويا بين التلال، تجد رأس “سبارطيل” أو “منطقة الموت” كما كان يطلق عليه سابقا، وهو الرأس الجبلي الأقصى لإفريقيا الذي يتعانق أمامه البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والذي بنيت عليه في بداية القرن التاسع عشر منارة “كاب سبارطيل”، بأسلوب هندسي أندلسي وزخرفة مغربية بديعة، لتوجيه وإرشاد قوارب الصيادين والبواخر العابرة لهذه المنطقة التي شهدت حوادث مميتة خلال قرون من الزمن.
وعلى بعد بضعة كيلومترات، يخوض التاريخ غمار أسطورة مغارة “هرقل”، وهو موقع طبيعي أثري يعود تاريخه، حسب نتائج الأبحاث التاريخية التي أجرتها عدة معاهد مختصة في البحث الأثري، إلى أزيد من 5 آلاف سنة قبل الميلاد، حيث صنف بذلك تراثا إنسانيا في ملك الذاكرة الجماعية العالمية.
وتستمد مغارة “هرقل” قيمتها السياحية والتاريخية، من خلال وجودها بمحيط غني بمواقع أثرية جميلة، كموقع مغارات “الخيل” و”كوطا”، التي تشهد بدورها أن الإنسان استقر وعاش بهذه المنطقة منذ أزيد من 7 آلاف سنة.
طنجة باختصار، هي وجوه عديدة ومزيج من إغراءات البحر والاستثمارات الضخمة، احتار في وصفها المبدعون، وقال في حقها الرسام الفرنسي “أوجين دولاكروا” عند زيارته لها، في وقت سابق، “يلزمني امتلاك عشرين يدا لأعطي فكرة عن كل هذا…”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى